تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥١ - مكاشفة
فعلمه تعالى بالأشياء الكائنة على هذا الترتيب بالوجه العقلي، بخلاف علمنا الانفعالي بها، الذي يحصل منها على عكس هذا الترتيب، فإن العالم الموجود الذي خرج إلى الوجود بصورته يتأدى منه صورة اخرى إلى الحواسّ، ثم إلى الخيال ثم إلى النفس، ثم إلى العقل المنفعل المتحد بالعقل الفعال. فترتيب الصعود العودي على عكس ترتيب النزول البدوي، فالحاصل في العقل الإنساني موافق للعالم، الموجود قبله على التعاكس في أنحاء الحصول.
و توضيح ذلك: إن من ينظر إلى السماء و الأرض ثم يغضّ بصره، يرى صورة السماء و الأرض في خياله كأنه ينظر إليهما و لو انعدمت السماء و الأرض في أنفسهما كأنه يشاهدها أو ينظر إليها، ثم يتأدى من خياله أثر إلى العقل، فيحصل فيه حقائق الأشياء التي دخلت في الحس و الخيال، فالعالم الموجود في ذهن الإنسان موافق للموجود في الكون، و هو مطابق للنسخة الموجودة في اللوح العقلي، و هو سابق على وجوده في القدر و الصور المثالية، و هو سابق على وجوده الجسماني، و يتبعه وجوده الخارجي الكوني، و يتبع وجوده الخارجي وجوده الخيالي، و يتبع وجوده الخيالي وجوده العقلي- أعني وجوده في القوة العاقلة الإنسانية المتحدة بالعقل الفعال- و كما أن تلك الصور و محالّها نازلة من اللّه تعالى في سلسلة البدو فكذلك صاعدة إلى اللّه تعالى في سلسلة العود فاللّه تعالى منه البدو و إليه الرجعى.
ثم لمّا كانت بعض هذه الموجودات روحانية عقلية، و بعضها مثالية، و بعضها حسيّة، فكان الموجود الصادر من الحق عقلا، ثم نفسا، ثم حسّا، فدار على نفسه فصار حسّانيا، ثم نفسانيا، ثم عقلانيا.
و إن اشتهيت زيادة الاطلاع على حكمة اللّه تعالى في خلق العالم و عجائب صنعه في الموجودات حيث أبرز مكنونات المكونات ١٤٩ بقدرته و إرادته أولا في قضائه و قدره، ثم أظهر مستورات الحقائق و خفيات المخلوقات ثانيا بتوسط القلم