تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٩ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٠
تعالى: إِنَّكُمْ ماكِثُونَ [٤٣/ ٧٧] اخْسَؤُا فِيها وَ لا تُكَلِّمُونِ [٢٣/ ١٠٨] فلما يئسوا وطئوا أنفسهم على العذاب و المكث على ممر السنين و الأحقاب، و تعللوا بالأعذار، و مالوا إلى الاصطبار و قالوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَ جَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ [١٤/ ٢١].
فإن قلت: كيف حكم اللّه على الحيوة الدنيا بأنها لهو و لعب- أي باطل موهوم لا حقيقة لها مع أنها ثابته في الواقع و الثابت في الواقع لا يكون باطلا موهوما؟
قلنا: يمكن الجواب من هذا بحسب جليل النظر إنه ليس المراد مما ذكره سبحانه إن الحيوة الدنيا التي هي القوة على الحس و الحركة أمر موهوم، إذ لا شك في أنها أمر ثابت في بعض الأوقات- و إن لم يكن دائميا- بل الغرض منه إن هذه الحيوة ليست حقيقية يمكن ثبوتها في حق الإنسان بما هو إنسان- أي ذو جوهر روحاني هو محل معرفة اللّه- لأن حياته حيوة علمية نطقية اخراوية- و الحيوة الحسية الدنياوية هي حيوة تتصف بها الحيوانات بما هي حيوان- أي ذو جوهر حساس- و إذا اتصف بها الإنسان في بعض الأوقات فإنما يكون بما هو به حيوان، لا بما هو به إنسان.
فاتصاف الإنسان بتلك الحيوة الحسية باعتبار أن له قلبا حقيقيا هو محل معرفة اللّه أمر وهمي، إذ لا وجود لها للإنسان إلا مجازا لعلاقة الارتباط بين حقيقة الإنسان- الذي هو روحه المشار إليها ب «أنا»- و الجسد الحيواني الواقع تحت جنس الحيوان عند أخذه لا بشرط شيء أي بالاعتبار الذي به حيوان- لا بما هو به بنية و مادة ١٢٩- و قد تبيّن الفرق بينهما في علم الميزان ١٣٠.
و يمكن أن يقال بحسب دقيق النظر: إن المراد من الحيوة الدنيا نفس الإدراك الحسي للأمور الدنياوية- تسمية للشيء باسم ما ينبعث عنه و يتمّ به- فإن الحيوة الحيوانية إنما يتم بالحس و الحركة. و غاية الحركة أيضا هو الحس في غير الإنسان.
و الإحساس بالشيء لا يتم ١٣١ إلا بالتوهم و التخيل، و الموهوم أو المتخيل بما هو موهوم أو متخيل لا وجود له في الخارج- بل في الذهن- و كل مالا وجود له في الخارج ١٣٢