تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٣٨ - قوله عز و جل سورة الحديد(٥٧) آية ٢٠
الأليم هو بعينه موجود معهم في الدنيا يعذب باطنهم بنيرانه، و ذلك هو الاعتقادات الفاسدة و الأخلاق الردية التي كلها نيرانات ملتهبة و حرقات مشتعلة يؤذي صاحبها و يوجب العداوة و البغضاء له مع أبناء الدنيا الذين سيصيرون من أصحاب الجحيم، و الخصومة معهم في مقاصدهم و مآربهم الخسيسة الدنياوية، و هذه الجهالات و ذمائم الملكات كما يوجب التعذب بها لصاحبها في الاولى، فهي بعينها التي توجب التعذب بها لهم في الاخرى على وجه أشد و أبقى، لقوله تعالى: وَ لَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَ أَبْقى [٢٠/ ١٢٧] فإن امور البدن و أشغال الدنيا هاهنا يلهي و يغفل الروح عن دركها كما هي، بخلاف النشاة الثانية، فإن البدن الأخروي لا يلهي الروح عن إدراك الآلام إن كانت شقيّة- كما لا يلهيها عن إدراك اللذات الاخروية إن كانت سعيدة.
فأهل النار إذا دخلوها تسلط النار على ظواهر هم و بواطنهم لأن ظواهرهم عين بواطنهم- كما حققناه في بعض كتبنا عند إثباتنا المعاد الجسماني بالاستبصار العقلي أيضا، كما هو ثابت عند الجمهور من المليين و الحكماء الإسلاميين بالنصّ النقلي- و ليس لحقيقة العذاب تسلط هاهنا على ظواهر الأشقياء، لكن ظواهرهم مبائنة لبواطنهم- إلا نحوا ضعيفا لم يتنبهوا عليه لخدر الطبيعة و سكر البدن و جهل المادة.
فإذا تسلط عذاب النار على ظاهرهم و باطنهم و أحاط بهم سرادقهم ملكهم الجزع و الاضطراب، فيكفر بعضهم بعضا و يلعن بعضهم بعضا، متخاصمين متقاولين، كما نطق به كلام اللّه في مواضع متعددة مثل قوله تعالى: كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها [٧/ ٣٨] و قوله تعالى: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ [٣٨/ ٦٤].
و كما ان هيآت أمراض الجهل و غيره من الصفات إذا كانت راسخة مقرونة مع العناد و الاستكبار لا يمكن أن يزول أصلا، فكذلك الأشقياء المردودون من الكفرة و المتجبرين لا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينصرون، فكلما طلبوا أن يخفف عنهم العذاب و أن يقضى عليهم و استغاثوا أن يرجعوا إلى الدنيا فلم يجابوا إلى طلباتهم، كما حكى اللّه تعالى عن اقتراحهم و استغاثتهم بقوله تعالى: يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ و عن عدم اجابتهم بل منعهم عن السؤال و طردهم عن الاقتراح بمثل قوله