تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٢ - اللمعة الرابعة
أو قلّ- فلهم درجات في الترقّي إلى أطواره و أغواره، و أما الاستيفاء و الوصول إلى الأقصى فلا مطمع لأحد فيه، و لو كان البحر مدادا و الأشجار أقلاما فأسرار كلمات اللّه لا نهاية لها، فنفد البحر قبل أن تنفد كلمات اللّه.
فمن هذا الوجه تتفاوت العقول في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير الذي ذكره المفسّرون، و ليس ما حصل للراسخين في العلم من أسرار القرآن و أغواره مناقضا لظواهر التفسير، بل هو استكمال له و وصول إلى لبابه عن ظاهره.
فهذا ما نريده لفهم المعاني لا ما يناقض الظواهر، كما ارتكبه القفّال و تبعه غيره من المفسّرين من تأويل «الكرسي» إلى مجرد تصوير عظمته و تخييل كبريائه، و كذا ما فعله غيره من تأويله إلى مجرد القدرة و السلطان أو إلى العلم، لأن كلّها مجازات بعيدة لا يصار إليها، لا بحسب نقل صريح عن الرسول صلّى اللّه عليه و آله أو عن الأئمة المعصومين عليهم السّلام.
ثمّ لا ضابط للمجازفات و الظنون و الأوهام، فلا بدّ للمفسّر إما أن لا يعول إلا على نقل صريح، أو على مكاشفة تامّة و وارد قلبي لا يمكن ردّه و تكذيبه و إلا فسيلعب به الشكوك كما لعبت بقوم تراهم أو نرى آثارهم الفكريّة من هذه القرون و من القرون الخالية، و شرّ القرون ما طوى فيه طريق الرياضة و المكاشفة، و انحسم باب الذوق و التصفية، و انسدّ طريق السلوك إلى الملكوت الأعلى بأقدام المعرفة و التقوى، و شاع الجهل و الإصرار و الرعونة و الاستنكار و طلب الرياسة و الشهرة عند الناس و تقرّب السلاطين في هذه الدنيا.
فإن هذه توجب سخط اللّه و سخط الرسول و أولياء اللّه، و تستلزم الاحتجاب عنه تعالى و الحرمان عن الوصول إليه، و الاحتراق بنار القطيعة و الطرد و البعد عنه تعالى، و العمى عن مشاهدة الأنوار التي يكاشفها المجرّدون