تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦١ - اللمعة الرابعة
القول الثالث و هو معتمد كثير من علماء التفسير، أن المراد من الكرسي «السلطان» و «القدرة» فيكون المعنى: أحاط قدرته السموات و الأرض. أو «الملك» تسمية للشيء باسم محله و مكانه، لأن كلّا من هذه المصادر قد يستعمل مبنيّا للمفعول فيكون صفة له، ثم يقال تارة: الإلهيّة لا تحصل إلا بالقدرة و الخلق و الإيجاد، و العرب يسمى الملك بالكرسي، لأن الملك يجلس على الكرسي، فسمّى الملك باسم مكان الملك.
فهذه جملة من الأقوال، المنقولة عن العلماء النظّار، المتفكرين في كتاب اللّه بقوة الأفكار، السائرين على أحد المنهجين إلى نيل نتائج الأنظار.
ثم لا يخفى على من له تفقّه في الغرض المقصود من الإرسال و الإنزال أن مسلك الظاهريين، الراكنين إلى إبقاء صور الألفاظ و أوائل المفهومات أشبه من طريقة المأوّلين بالتحقيق، و أبعد من التصريف و التحريف؛ و ذلك لأن ما فهموه من أوائل المفهومات هي قوالب الحقائق التي هي مراد اللّه و مراد رسوله.
و أما التحقيق فهو مما يستمدّ و يستنبط من بحر عظيم من علوم المكاشفات لا يغني عنه ظاهر التفسير، بل لعلّ الإنسان لو أنفق عمره في استكشاف أسرار هذا المعنى و ما يرتبط بمقدماته و لواحقه لكان قليلا، بل لا نقطع عمره قبل استيفاء جميع لواحقه، و ما من كلمة من القرآن إلا و تحقيقها يحوج إلى مثل ذلك، و إنما ينكشف للعلماء الراسخين في العلم من أسراره و أغواره بقدر غزارة علومهم و صفاء قلوبهم، و توفّر دواعيهم على التدبّر و تجرّدهم للطلب و يكون لكل عالم منهم حظّ- نقص أو كمل- و لكلّ مجتهد ذوق- كثر