تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٧ - المشرع الأول في نظمه بما سبق و ما لحق
إلى الجهل بوضع شيء بعينه مع نقيضه، و متفاوتة مراتبها بحسب مراتب سرعة التأدية و بطؤها، و طول مسافة المقدمات و قصرها إلى النتيجة، فالرسوخ في الجهل يتحقّق إمّا بعدم التفطّن بفساد الشيء البيّن الفساد مع الإصرار به- و هذا هو الغاية- أو بعدم العلم باندراج الأكبر للأصغر مع قلّة الحدود و الوسائط بينهما مع اعتقاد نقيض النتيجة، و في مقابله «الرسوخ في العلم» و هو سرعة التفطن بالنتيجة مع كثرة الحدود و المبادي الذي يقال له «الحدس الشديد» و غاية القوّة القدسيّة التي للأنبياء و الأولياء.
و عدم الرسوخ في كلّ منهما يعرف بمعرفة الرسوخ فيه، إذ مراتب كل منهما- لكونهما وجودين متقابلين- مختلفة شدة و ضعفا و رسوخا و فتورا.
و أما بيان الثالث فلأن «القيّوم» لكونه صيغة مبالغة يدلّ على كمال الاستقلال في التقويم و الإيجاد شدّة و عدّة، فلو كان في الوجود فاعل آخر- سواء كان تامّا في الفاعلية أو ناقصا، مبائنا أو مشاركا للأول- يلزم خلاف المفروض و هو كونه تعالى ضعيفا في الفاعلية، قاصرا فيها.
أما على تقدير كون الثاني تامّا في الفاعلية و الإيجاد، فلأنه يلزم أن يكون بعض الممكنات خارجا عن صنعه و إيجاده، فلم تكن قدرته شاملة له لامتناع توارد العلّتين المستقلتين على معلول واحد معيّن، فيكون عدد مقدوراته ناقصا يمكن الزيادة عليه، فلم تكن قيّوميته في الغاية بحسب العدد.
و أما على تقدير كون الثاني مشاركا له في الفاعلية- سواء كان جزءا أو معينا، أو معدّا، أو آلة، أو سببا غائيا، أو مصلحة، أو انتظارا لفرصة، أو غير ذلك- لم يكن بحسب ذاته قويا (قيوما- ن) على ما يقوى عليه ذاته مع الشريك و هو أحد الأمور المذكورة أي أمر كان منها.