تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٩ - المشرع الأول في نظمه بما سبق و ما لحق
وقت لا يسعني فيه ملك مقرّب و لا نبيّ مرسل».
فوقع بيان هذه المراتب في كلام اللّه تعالى على سنّة الإلهيّة كما علمت و في كلام الرسول صلى اللّه عليه و آله على سنّة العبوديّة، حيث
قال [١]: «أعوذ بعفوك من عقابك»
فهذه ملاحظة توحيد الأفعال ثمّ قال:
«و أعوذ برضاك من سخطك»
هذا بملاحظة توحيد الصفات، ثمّ قال:
«و أعوذ بك منك»
هذا بملاحظة توحيد الذات، فلم يزل إلى القرب يترقّي من طبقة إلى طبقة، و من مرتبة إلى مرتبة في الشرف و القرب حتّى انتهى إلى النهاية، ثمّ عند النهاية اعترف بالعجز و القصور؛ لأن الذات الأحديّة ليس لأحد فيها قدم؛ فقال:
«لا احصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك».
فهذا أدقّ العلوم و أشرفها، و مثله في الشرف و الغموض علم الآخرة و علم المعاد و هو متّصل بعلم المعرفة.
هذه العلوم الأربعة قد أودعنا في بعض كتبنا و رسائلنا شيئا من مجامعها و أوساطها، دون القدر الذي رزقنا منه مع قصر العمر و طول الشواغل و قلّة الأعوان و الرفقاء، و كثرة الأضداد و المعاندين، و لم يشبع الكلام حسب ما جعله اللّه قسطي لأنه مما يكلّ عنه أكثر الأفهام و يستضرّ به الضعفاء و هم أكثر المترسّمين بالعلم، و إنّي ما رأيت في مدّة عمري هذا، و قد بلغ سنوه إلى نيف و أربعين من عنده خير [٢] من علم الآخرة على وجه تطابق القرآن و الحديث، و عمل بمقتضى الكشف الصحيح، بل قلّ من العلماء من أحكم ظواهر العلوم الحقيقيّة و مباديها، فضلا عن أواخرها و أقاصيها، حتّى ارتاضت نفسه، و استقامت على
[١] في مسلم: ٤/ ٢٠٣ و ابى داود: ١/ ٢٣٢ باب الدعاء في الركوع و السجود:
أعوذ برضاك من سخطك، و أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، و أعوذ بك ...
[٢] الظاهر ان الصحيح: خبر.