تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٠ - المسألة الثامنة في تحقيق أن مسمى«الله» معبود للكمل من العرفاء دون غيرهم بحسب الحقيقة
النبوّة و الولاية سلام اللّه عليهم أجمعين [١]: «كلّ ما ميّز تموه بأوهامكم و عقولكم في أدقّ معانيه فهو مصنوع مثلكم مردود إليكم»
- إلى آخر الحديث- أي:
فلا يعتقد معتقد من المحجوبين الذين جعلوا الإله في صورة معتقدهم فقط إلها إلا بما جعل في نفسه و تصوّره بوهمه، فإلهه مجعول لنفسه، منحوت بيد قوّته المتصرّفة، فلا فرق بين الأصنام التي اتّخذت إلها و بينه في أنّه مصنوع لنفوسهم سواء كانت في خارجها أو في داخلها، بل الأصنام الخارجية أيضا إنّما عبدت من جهة اعتقاد الالوهيّة من عابدها في حقّها، فالصورة الذهنيّة معبودة حينئذ بالذات، و الصورة الخارجيّة معبودة بالعرض.
فمعبود عبدة الأصنام كلّها ليست إلّا صور معتقداتهم و أهواء أنفسهم كما أشير إليه بقوله تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ [٤٥/ ٢٣] فكما أنّ أصحاب الأصنام الجسمية يعبدون ما عملوها بأيديهم، فكذلك أصحاب الاعتقادات الجزئيّة في حقّ الحقّ يعبدون ما كسبتها أيدي عقولهم أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [٢١/ ٦٧] و أما الكمل من العرفاء فهم الذين يعبدون الحقّ المطلق المسمّى باسم «اللّه» من غير تقييد باسم خاص و صفة مخصوصة، فيتجلّى لهم الحقّ تعالى، المنعوت بجميع الأسماء، و هم لا ينكرونه في جميع التجلّيات الأسمائية و الأفعالية و الآثارية، بخلاف المحجوب المقيّد الذي يعبد اللّه على حرف فإن أصابه خير اطمأنّ به و إن أصابته فتنة انقلب على وجهه، و ذلك لغلبة أحكام بعض المواطن عليه و احتجاب بعض المجالي عن بعض في حقه.
و من هذا الاحتجاب ينشأ الاختلاف بين الناس، فيكفّر بعضهم بعضا و يلعن بعضهم بعضا، و كل أحد يثبت للحق تعالى غاية ما يراه و يعتقده لائقا
[١] الحديث منسوب الى أبى جعفر الباقر (ع) و ما وجدته في الجوامع الروائية.