تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٥٢ - المسألة الثامنة في تحقيق أن مسمى«الله» معبود للكمل من العرفاء دون غيرهم بحسب الحقيقة
التوحيد الذي عليه جميع الأنبياء و الأولياء، و هو الغرض من بعثة الأنبياء و نصب الأولياء، و به تحصل النجاة من عذاب النار القطيعة و جهنّم البعد، و الاحتجاب عن ربّ الأرباب، مع أن كل أحد يرجع إلى ربّه بوجه، كما قال: كُلٌّ إِلَيْنا راجِعُونَ [٢١/ ٩٣] إلّا أن أكثرهم ناكسة رؤوسهم، محجوبة عقولهم، مقيدة أبدانهم بالسلاسل و الأغلال، و جميع الطرق يتشعّب و يتفرّع من طريق التوحيد.
و يؤيّد ذلك ما
روى [١] عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما أراد أن يبيّن ذلك للناس خطّ خطّأ مستقيما، ثمّ خطّ من جانبيها خطوطا خارجة من ذلك الخطّ، و جعل الأصل الصراط المستقيم الجامع، و الخطوط الخارجة منها جعل سبل الشيطان
كما قال اللّه تعالى وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ [٦/ ١٥٣] يعنى السبيل التي لكم فيها السعادة و النجاة، و إلّا فالسبل كلّها إليه، لأنّ اللّه منتهى كلّ سبيل فإليه يرجع الأمر كلّه، و لكن ما كلّ من رجع إليه و آب سعد و نجى عن التفرقة و العذاب، فسبيل السعادة واحدة: قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي [١٢/ ١٠٨] و أمّا جميع السبل فغايتها كلّها إلى اللّه أوّلا ثمّ يتولّاه الرحمن آخرا، و يبقى حكم الرحمن فيها إلى الأبد الذي لا نهاية لبقائه.
و هذه مسألة عجيبة قلّ من استقام عقله عند سماعها و درك معناها و وصل فهمه إلى نيل فحويها، لكن المقصود من بيان هذه و نظائرها ليس كلّ من له صلاحيّة المخاطبة العرفية دون المكاشفة الذوقية، بل من كان له قلب أو ألقى السّمع و هو شهيد، و إن كان نوع من الانتفاع عامّ لغيره، أو لا ترى أن الخطاب
[١] الدر المنثور: ٣/ ٥٦،