تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٣ - اللطيفة الثانية
اعتقاد العبد و تصوّره و إثباته الوجود لغيره تعالى، و إلا فليس لما سواه وجود في جنب وجوده تعالى حتى يتّصف بالعلوّ بالقياس إلى غيره، نعم، الإنسان يتصور بقوته الوهمية لنفسه وجودا مستقلا و بواسطة وجوده الموهوم يتوهّم و يعتقد للعالم و أفراده وجود مستقلّ يقيس إليها وجود الحقّ، فيصفه بالعلوّ و العظمة، ثم بقدر ما يظهر له قصور وجوده و ضعفه و قصور الوجودات الإمكانية و ضعفها يزيد في نظره علوّ الحق و عظمته، و لهذا المعنى قيل: «إنّ ظهور الإنسان سبب خفاء الحق في هذا العالم» فبقدر انكساره و افتقاره و دثوره و فنائه يظهر له وجود الحق و بقائه و علوّه و كبريائه.
و قيل أيضا: إنّ هذا العالم عالم الخيال يتراءى فيها الأشياء على وجه الانعكاس و الانتكاس، فيرى المتبوع تابعا و التابع متبوعا، و المستور ظاهرا و الظاهر مستورا، بل الموجودات معدوما و المعدوم موجودا، فالحقّ موجود و الخلق مفقود، و في الخيال يكون بعكس هذا، و كذا الحقّ ظاهر جليّ و الخلق مستور خفيّ، و في الحسّ بالعكس.
فإذا أخذ الإنسان في النزول و النقصان و الهبوط في منازل الإمكان، و عاد قليلا إلى ماله بحسب ذاته من الخلل و الفقدان، استأنف للحقّ في شهوده علوا و عظمة و جلالا و كبرياءا، ففي كل فناء يظهر عليه للحق بقاء، و في كل تواضع ينكشف عليه للرب تعالى كبرياء؛ أ و لا ترى انك تقول في انحناك بالركوع: «سبحان ربّي العظيم» و في هويّك بالسجود: «سبحان ربّي الأعلى» و هكذا قليلا قليلا إلى أن يضمحل وجوده بالكليّة و يبقى الوجود الحقّاني للواحد القهار.
و من هاهنا يعلم أن قصارى مجهود العابدين و العارفين في عبادتهم و علومهم ليس إلا تصحيح نسبة الإمكان و حفظ مرتبة الفاقة و الافتقار و العجز و الانكسار، لئلا يبقى في شهودهم وجود للأغيار، و لا يكون عندهم في الدار غيره ديّار،