تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٥ - اللطيفة الثالثة
الهاوية المظلمة، أي نفس الفعل و القوّة و الهبوط، كما خرج من إطلاق العالي جسمية الأرض و مكانه الذي هو أسفل السافلين.
و قد وصف اللّه هذه الأمّة المرحومة بالعلوّ المعنوي و المنزلة الوجودية فقال: وَ أَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَ اللَّهُ مَعَكُمْ [٤٧/ ٣٥] أي: في هذا العلوّ، و هو سبحانه مقدس عن العلوّ المكاني، فيكون المراد العلوّ الوجودي، إذ موجودية الممكن إنّما تحصل بمعيّة الواجب تعالى معه- إمّا ابتداء أو بتوسط معيّته بالأشياء الاخر، و هي العلل المتوسّطة بينه و بين المعلول الأخير- فإن معيّته تعالى بكل متقدّم في الوجود أقدم من معيّته إلى المتأخّر، لكن المراد هاهنا من «المعيّة» ما يكون بغير وسط، لأنه في مقام المدح.
و وجهه أن الإنسان الكامل أعلى الموجودات، لأنّه خرق (قد خرج- قد خرج في- ن) الوجود و سلك سبيل اللّه و أحاط بالكلّ و صارت مرتبته جامعة لجميع المراتب، فله المعيّة الذاتية بالنسبة إلى الباري جلّ اسمه و العلوّ في المنزلة و المعنى، فيكون فوق الكلّ، فقد جمع له بالعمل العلوّ المكاني- لأن مكانه الجنّة و هو أعلى الأمكنة- و بحسب العلم- الموجب للإحاطة بالحقائق- المعنوي.
و الملائكة المقرّبون لهم العلوّ بحسب الرتبة، لأنهم وسائط جود الحق و رحمته، فقال لإبليس: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ [٣٨/ ٧٥] لأنّ جوهر إبليس من الجواهر المتعلّقة بعالم الظلمات، فمنزلته دون منزلة الأنوار العقليّة المرتفعة عن التعلق بغير الحق، فلها السلطنة الكبرى على القوى المتعلّقة بالعالم الأدنى.
فظهر أنّ الحق تعالى «على» لذاته، لأنّ وجوده عين ذاته، و الإنسان الكامل «على» بعلوّ الحقّ تعالى.