تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٨٦ - اللطيفة الرابعة
هذا في مقام الفرق و الاشتراك في الوجود و العلوّ، و أما في مقام الجمع فهو واحد القهّار لا غير، لأنه لا يوصف الا بالصفات التنزيهية، فلا علو كما لا سفل له، و الاشتراك المذكور في أصل العلو في الجملة بين العبد و الرب في مقام الفرق، و لا بد من إعطاء حق الربوبية و العبودية من العلو بأنه ذاتي للربّ و عرضيّ للعبد، و لهذا أمر اللّه تعالى أشرف الممكنات- و هو الذي له المنزلة العظمى في المعية للحق و العلوّ المعنوي دون غيره الا بوسيلته- أن يتأدب بأدب العبودية و يسبح اللّه عن النقص الامكاني، فقال مخاطبا إياه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [٨٧/ ١] و ظني
أن منشأ استغفار رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله- كما ورد في الحديث- [١] هو هذه المعية العالية التي هي مظنّة الاشتراك بين العبد و الرب في العلوّ المعنوي
، فيحتاج العبد الأعلى و الملك المقرّب في كل حين الى تذكّر عظمة اللّه و علوّه و الاستغفار عن ذنب وجوده الامكاني، لئلا يقع في السكر عن الشكر، و في الكفر عن الإحسان، و النسيان عن الوجدان، فيجري على لسانه شيء من السكريات فينحط عن مقام القرب و المحبّة الى مقام البعد و المذلة- نعوذ باللّه من الحور بعد الكور.
اللطيفة الرابعة
في بيان تقديسه تعالى عن العلوّ المكاني و فيه دلائل كثيرة أوردنا اثنين منها:
أحدهما: أن علوّه لو كان مكانيّا لكان لا يخلو إما أن يكون جسما متمكّنا أو
[١]
الجامع الصغير: (١/ ١٠٥) «انه ليغان على قلبي و انى لاستغفر اللّه في اليوم مائة مرة».