تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٣ - اللمعة الرابعة
عن الأغراض النفسانية، الهاربون عن الخلق و عاداتهم و رسومهم الدنيّة إلى الإقبال بشراشر الهمّة إلى الحقّ، المتعرّضون لنفحات اللّه في أيّام دهرهم، المنتظرون لنزول الرحمة على سرّهم، فهم في الحقيقة الواقفون على أسرار القرآن دون غيرهم، سواء كانوا من الظاهريّين المشبّهين أو من العقلاء المدقّقين، و كلاهما بمعزل عن فهم آيات القرآن، إلا أن الظاهريّين أقرب إلى الصواب من المأوّلين لما أشرنا إليه من كون مقاصدهم قوالب المعاني القرآنية.
فقد ظهر و تبيّن لك أن لأرباب الأفكار التفسيريّة و الأفهام القرآنية ثلاث مقامات:
فمن مسرف في رفع الظواهر كالقفّال و كثير من المعتزلة، انتهى أمرهم إلى تغيير جميع الظواهر في المخاطبات التي تجرى في الشريعة الحقة- من منكر و نكير، و ميزان، و حساب، و صراط، و في مناظرات أهل النار و أهل الجنّة في قولهم: أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ [٧/ ٥٠] و زعموا أن ذلك لسان الحال.
و من غال في حسم باب العقل كالحنابلة أتباع أحمد بن حنبل، حتّى منعوا تأويل قول «كُنْ فَيَكُونُ» و زعموا أن ذلك خطاب بحرف و صوت يتعلّق بهما السماع الظاهري، يوجد من اللّه تعالى في كل لحظة بعدد كل متكوّن، حتى نقل عن بعض أصحابه أنه يقول: حسم باب التأويل إلا لثلاثة ألفاظ:
قوله صلّى اللّه عليه و آله: «الحجر الأسود يمين اللّه في الأرض» [١]
و
قوله صلّى اللّه عليه و آله: «قلب المؤمن بين إصبعين من
[١] الجامع الصغير: ١/ ١٥١ و
في المستدرك للحاكم: كتاب المناسك. ١/ ٤٥٧: «يمين اللّه التي يصافح بها خلقه».