تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٩ - اللمعة الرابعة
ثمّ إنّ الذوق الصحيح من الفطرة السليمة شاهد بأنّ متشابهات القرآن ليس المراد بها مقصورا على مجرد أمور جسمانية يعرف كنهها كلّ أحد من الأعراب و البدويّين و عموم الخلق، و إن كان قشور من تلك الأمور ممّا لكل أحد منهم نصيب منها، و ليس المراد أيضا مجرّد تصوير و تمثيل يعلمه كل من له قوّة التمييز في الأنظار، و يفهمه كلّ من يتصرّف بعقله في الأفكار بحسب استعمال الصناعة المنطقية في الأبحاث من غير مراجعة إلى سلوك سبيل اللّه و مكاشفة الأسرار و معاينة الأنوار، و إلا لما قال تعالى في باب المتشابه من القرآن: وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [٣/ ٧] و لما قال في الغامض منه: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [٤/ ٨٣] و لما
دعا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حقّ أمير المؤمنين عليه السّلام بقوله: «اللهمّ فقهّه في الدين و علّمه التأويل»
فإن كان علم التأويل أمرا حاصلا بمجرد الذكاء الفطري أو المكتسب بطريق القواعد العقلية المتعارفة بين العقلاء لما كان أمرا خطيرا و خطبا عظيما، حيث استدعاه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بالدعاء من اللّه تعالى لأحبّ خلقه إليه، و هو علي عليه السّلام.
و ممّا يدل على أن أسرار التنزيل و الإنزال أجلّ شأنا مما يعلم بقوّة تفكّر مثل القفّال و غيره من آحاد المتكلّمين و أهل الاعتزال، ما
رواه الشيخ الجليل أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني [١]- بسنده المتصل إلى أبي بصير- عن أبي عبد اللّه جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: «نحن الراسخون في العلم، و نحن نعلم تأويله».
و
في رواية اخرى عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام [٢] قال: «الراسخون في العلم أمير المؤمنين و الأئمة من بعده عليهم السّلام».
(١، ٢) الكافي: كتاب الحجة، باب ان الراسخين في العلم هم الائمة (ع):
١/ ٢١٣.