تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٠ - اللمعة الثالثة
على بعض، و قد أكرست الدار: إذا كثرت فيها الأبوال و الأبعار يتلبّد بعضها على بعض، و «تراكس الشيء»: إذا تركّب [١] و منه: «الكراسة» و جمعها «الكراريس» لتراكب (لتركب- ن) أوراقها بعضها على بعض، و منه «الكرسي» الموضوع لهذه الهيئة المعروفة المصنوع لما يجلس لتركّب خشباته و قطعه، و يقال للعلماء «كراسي» كما يقال لهم «أوتاد الأرض» لأن عليهم الاعتماد و بهم القوام في الدين و الدنيا.
اللمعة الثالثة
في تفسير لفظ الكرسي و غيره من الألفاظ التشبيهية اعلم أن للناس في هذا اللفظ و في ساير متشابهات القرآن و الحديث مسالك:
أحدها منهج أهل اللغة و أكثر الفقهاء و أرباب الحديث و الحنابلة و الكرّامية و هو إبقاء الألفاظ على مدلولها الظاهرة و مفهومها الأول من غير مراعاة التنزيه و التقديس في ذات اللّه تعالى و صفاته.
و ثانيها منهج أرباب العقل و التدقيق، و هو تأويل الألفاظ على وجه تطابق قوانينهم النظرية و مقدّماتهم العقلية تحفّظا على تقديسه تعالى و تنزيهه عن صفات الإمكان و نقائص الأكوان.
و ثالثها منهج الراسخين في العلم و الإيقان، و هو إبقاء الألفاظ على مفهوماتها الأصلية من غير تصرّف فيها، لكن مع تحقيق تلك المفهومات و تجريد معانيها عن الأمور الزائدة، و عدم الاحتجاب عن روح المعنى بسبب
[١] هكذا في النسخ و الصحيح: و تكارس الشيء إذا تراكب.