تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥١ - اللمعة الثالثة
اعتياد النفس بهيئة مخصوصة يتمثّل ذلك المعنى بها غالبا.
مثلا لفظ «الميزان» موضوع لما يوزن به الشيء، و هو أمر مطلق عقلي هو بالحقيقة روح معناه و ملاك أمره من غير أن يشترط فيه التخصص بهيئة مخصوصة، و كلّ ما يقاس به شيء- بأيّ خصوصية كانت، حسّية كانت أو عقلية- يصدق عليه أنه ميزان، فالمسطرة و الشاقول و الكونيا و الأسطرلاب و الذراع و علم النحو و العروض و المنطق و العقل كلّها مقائيس و موازين بها يقاس و يوزن الأشياء، و لكل منها و زان ما تناسبه و تجانسه.
فالمسطرة ميزان الخطوط المستقيمة، و الشاقول ميزان الأعمدة على وجه الأرض، و الكونيا ميزان ما يوازي الأفق من السطوح، و الأسطرلاب ميزان الارتفاعات و غيرها، و الذراع ميزان كميّة المقادير الخطية، و النحو ميزان إعراب اللفظ و بنائها على عادة العرب، و العروض ميزان كميّة الشعر، و المنطق ميزان صحيح الفكر، و العقل ميزان الكلّ.
فالكامل العارف إذا سمع لفظ «الميزان» لا يحتجب عن معناه الحقيقي بما يكثر إحساسه و يتكرّر مشاهدته من الأمر الذي له كفّتان و عمود و لسان، و هكذا حاله في كل ما يسمع و يراه، فإنّه ينتقل إلى فحواه، و يسافر إلى روحه و معناه و باطنه و أخراه، و لا يتقيّد بظاهره و أولاه، و صورته و دنياه.
و أمّا المقيد بعالم الصورة فلجمود طبعه و خمود ذهنه و سكون قلبه إلى أول البشرية و إخلاد عقله إلى أرض المحسوسيّة يسكن إلى أوائل المفهوم و يطمئن إلى مبادي العقول، و لا يسافر عن مسقط رأسه و منبت حسّه، و لا يهاجر من بيته إلى اللّه و رسوله حذرا من أن يدركه الموت المزيل للصورة الحسيّة قبل الوصول إلى عالم المعنى، و ذلك لعدم وثوقه بما وعده اللّه و رسوله حقّا و قلّة تدبّره في معنى قوله سبحانه: فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [٤/ ١٠٠].