جامع المقاصد في شرح القواعد - المحقق الثاني (المحقق الكركي) - الصفحة ١٩٩ - أولا النية
و وقتها استحبابا عند غسل كفّيه المستحب، (١) و وجوبا عند ابتداء أول جزء من غسل الوجه،
قوله: (و وقتها استحبابا عند غسل كفيه المستحب).
[١] لا يخفى أن محل النيّة عند أول العبادة، لأنها لو تقدمت عليه لكانت عزما، و لو تأخرت عنه خلا بعض العبادة عن النيّة، و أول واجبات الوضوء الذي يتصور إيقاع النية عنده أول غسل الوجه، فلا يجوز تأخيرها عنه.
و أما غسل اليدين، و المضمضة و الاستنشاق، فإنها لما كانت من الأفعال المستحبة، كان أول الوضوء الكامل عند غسل اليدين، فيكون إيقاع النيّة عنده جائزا، بل مستحبا، ليتحقق بها كون الغسل و المضمضة و الاستنشاق مستحبة، إذ لو خلت من النيّة لم يقع من مستحبات الوضوء، و لا ينافي استحباب النية حينئذ كونها واجبة على معنى التوسعة، لأن أول وقت الموسّع أفضل من غيره، كقضاء الصلوات الواجبة فإن أوله أفضل مع ثبوت الوجوب.
و قيد الغسل بكونه مستحبا، إذ لا يكون من أفعال الوضوء إلا مع الاستحباب، و مراده استحبابه للوضوء، كما يشعر به السياق، و يرشد إليه التعليل، فلو وجب الغسل لنحو إزالة النجاسة، أو حرم لصيرورة ماء الطهارة بسببه قاصرا عنها، أو كره لتوهم قصوره مع ظن العدم، أو أبيح كأن تتوضأ من كر فصاعدا أو مما لا يمكن الاغتراف منه.
و احتمل في الذكرى [١] الاستحباب هنا، لحصول مقصود الغسل بالإضافة إلى باقي الأعضاء، أو لم يكن الوضوء من حدث النوم، و البول، و الغائط، أو استحب لغير الوضوء مما يتعلق به كالغسل للاستنجاء، أو لما لا يتعلق به كالغسل للأكل لم يجز إيقاع النيّة في شيء من هذه المواضع، لانتفاء كونه من أفعال الوضوء.
و اعلم أن قوله: (استحبابا) منصوب على التمييز، و كذا قوله (وجوبا)، و أراد بالوجوب فيه المضيق الذي لا يجوز التأخير عنه، و (ابتداء) في قوله: (عند ابتداء أول جزء من غسل الوجه) مستدرك، مع أنه ليس لأول جزء من غسل الوجه ابتداء.
و اعلم أيضا أنه لما كان إدخال جزء من الرأس في غسل الوجه واجبا من باب
[١] الذكرى: ٩٣.