روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه( ط- القديمة) - المجلسي، محمد تقى - الصفحة ٢٠٤ - مواعظ النبي صلى الله عليه و آله و الأئمة عليهم السلام
ع لِرَجُلٍ اجْعَلْ قَلْبَكَ قَرِيناً تُزَاوِلُهُ وَ اجْعَلْ عِلْمَكَ وَالِداً تَتَّبِعُهُ وَ اجْعَلْ نَفْسَكَ عَدُوّاً تُجَاهِدُهُ وَ اجْعَلْ مَالَكَ كَعَارِيَّةٍ تَرُدُّهَا
______________________________
و تعاشره اعلم أن الله تبارك و تعالى أعطى الإنسان قلبا قابلا للترقيات إلى مراتب
الكمالات التي لا تتناهى من المحبة و المعرفة و الزهد و الفناء و البقاء و هم
ضيعوه بمحبة الدنيا، و الرياء، و الحسد، و الكبر و البغض و أمثالها من الرذائل و
هو أمير البدن، فلو زاوله و يكون أبدا في إصلاحه و تحصيل كمالاته أفاض الله تعالى
عليه ما لا عين رأت و لا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر.
و يمكن أن يكون المراد به أيضا ما قال الله تعالى (بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَ لَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ[١] مثلا إذا قيل له: إنه متق فالنفس تقبل و الشيطان يؤيدها بوجوه باطلة مثل أنه يزين له أنك اليوم أعلم الناس و أزهد الناس و أخلص الناس لكنه يجب على المسترشد أن ينظر إلى نفسه بعين قلبه بأنه يسر بمدح المادحين و يغتم بذم الذامين و ليس ذلك إلا بالرياء المستكن فيها و لا تعلمه فإن المخلص يخاف على عمله الذي فعله بأن لا يضيع بل يغتم بمدحهم و يسر بذمهم، و على هذا، القياس في جميع الصفات.
و لو اشتغل بإصلاح نفسه لكفى به شغلا عن العالمين و لكن الغالب على العالمين الاشتغال بالدنيا الفانية (إما) بالمال (أو) بالجاه و قبول القلوب و متى حصل ذلك لا يحتاجون إلى الإصلاح فحالهم كما قال الله تعالى قُلْ: هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً[٢] لكن النفس و الشيطان يوسوسانه بأن هذه الآية نزلت في شأن الكفار و أنت من المؤمنين فينبغي أن يشاور مع قلبه قولهما فإنه يقول لك: إذا كان الكفار ملومين بذلك فملامة المؤمنين به أظهر و هم ألوم.
[١] القيامة ٢٥.