سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٨ - الباب الحادي عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي اللّه تعالى عنه إلى كعب بن الأشرف و ذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في السنة الثالثة
فمضوا حتى انتهوا إلى حصن ابن الأشرف. و في الصحيح: فقال محمد بن مسلمة- و في كتب المغازي أبو نائلة- لأصحابه: «إذا ما رآكم كعب فإني قائل بشعره فأسمّه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه».
فهتف أبو نائلة، و كان ابن الأشرف حديث عهد بعرس، فوثب في ملحفة، فأخذت امرأته بناحيتها و قالت: «إنك امرؤ محارب و إن أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة».
فقال: «إنه ميعاد عليّ و إنما هو أخي أبو نائلة لو وجدني نائما لما أيقظني». فقالت: «و اللَّه إني لأعرف في صوته الشّرّ». فكلّمهم من فوق البيت. و في رواية: «أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدّم».
قال: فقال لها كعب: «إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب». ثم نزل إليهم متوشحا بملحفة و هو ينفح منه ريح الطيب. فجاءهم ثم جلس فتحدث معهم ساعة حتى انبسط إليهم.
فقالوا: «هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى إلى شعب العجوز فنتحدث فيه بقية ليلتنا هذه؟» فقال: «إن شئتم». فخرجوا يتماشون فمشوا ساعة. فقال أبو نائلة: «نجد منك ريح الطّيب».
قال: «نعم تحتي فلانة من أعطر نساء العرب». قال: أ فتأذن لي أن أشم [رأسك]؟» قال: نعم.
فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب ثم شمّ يده فقال: «ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط».
و إنما كان كعب يدهن بالمسك الفتيت بالماء و العنبر حتى يتلبّد في صدغيه و كان جعدا جميلا. ثم مشى أبو نائلة ساعة ثم عاد لمثلها [حتى اطمأن إليه و سلسلت يده في شعره] فأخذ بقرون رأسه و قال لأصحابه: «اضربوا عدوّ اللَّه». فاختلفت عليه أسيافهم فلم تغن شيئا و ردّ بعضها بعضا. و لصق بأبي نائلة. قال محمد بن مسلمة: «فذكرت مغولا كان في سيفي حين رأيت أسيافنا لا تغني شيئا، فأخذته و قد صاح عدو اللَّه عند أول ضربة صيحة لم يبق حولنا حصن من حصون يهود إلا أوقدت عليه نار». قال: «فوضعته في ثنّته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدو اللَّه».
و عند ابن سعد: فطعنه أبو عبس في خاصرته و علاه محمد بن مسلمة [بالسيف] و قد أصيب الحارث بن أوس بن معاذ فجرح في رجله، أصابه بعض أسياف القوم. فلما فرغوا حزّوا رأس كعب ثم خرجوا يتستّرون، و هم يخافون من يهود، الإرصاد حتى سلكوا على بني أمية بن زيد، ثم على قريظة، و إن نيرانهم في الحصون لعالية، ثم على بعاث، حتى إذا كانوا بحرّة العريض تخلّف الحارث فأبطأ عليهم فناداهم: «أقرئوا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مني السلام». فعطفوا عليه فاحتملوه حتى أتوا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فلما بلغوا بقيع الفرقد كبّروا.
و قد قام رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تلك الليلة يصلّي، فلما سمع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) تكبيرهم بالبقيع