سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٧ - الباب الحادي عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي اللّه تعالى عنه إلى كعب بن الأشرف و ذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في السنة الثالثة
فقال كعب و هو في نادي قومه و جماعتهم: ادن إليّ فخبّرني بحاجتك. فتحدثنا ساعة، و أبو نائلة أو محمد بن مسلمة يناشده الشعر. فقال كعب: ما حاجتك، لعلك تحب أن تقوم من عندنا. فلما سمع القوم قاموا.
فقال محمد بن مسلمة أو أبو نائلة: «إن هذا الرجل قد سألنا صدقة، و نحن لا نجد ما نأكل، و إنه قد عنّانا». قال كعب: «و أيضا و اللَّه لتملّنّه». و في غير الصحيح: فقال أبو نائلة: «إني قد جئتك في حاجة أريد أن أذكرها لك فاكتم عنّي». قال: «أفعل». قال: «كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء من البلاء، عادتنا العرب و رمونا عن قوس واحدة، و قطعت عنا السبل، حتى ضاع العيال و جهدت الأنفس، و أصبحنا قد جهدنا و جهد عيالنا». فقال كعب بن الأشرف: «أما و اللَّه لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر سيصير إلى ما أقول، و لكن اصدقني ما الذي تريدون من أمره؟» قال: «خذلانه و التنحي عنه».
قال: «سررتني ألم يأن لكم أن تعرفوا ما عليه من الباطل؟». فقال له أبو نائلة أو محمد بن مسلمة: «معي رجال من أصحابي على مثل رأيي، و قد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك تمرا و طعاما و تحسن إلينا، و نرهنك ما يكون ذلك فيه ثقة». و في صحيح مسلم [١]: «و واعده أن يأتيه بالحارث و أبي عبس بن جبر، و عبّاد بن بشر. قال [كعب]: «أما و اللَّه ما كنت أحب يا أبا نائلة أن أرى بك هذه الخصامة و إن كنت من أكرم الناس، على ما ذا ترهنوني؟ [أ ترهنوني] أبناءكم؟» قال: «إنا نستحي أن يعيّر أبناؤنا فيقال، هذا رهينة وسق، و هذا رهينة و سقين». قال:
«فارهنوني نساءكم». قال: «لقد أردت أن تفضحنا و تظهر أمرنا، أنت أجمل الناس و لا نأمنك، و أي امرأة تمتنع منك لجمالك، و لكنا نرهنك من السلاح و الحلقة ما ترضى به، و لقد علمت حاجتنا إلى السلاح اليوم». قال كعب: «إن في السلاح لوفاء». و أراد أبو نائلة ألّا ينكر السلاح إذا جاءوا به. فسكن إلى قوله و قال: «جيء به متى شئت».
فرجع أبو نائلة من عنده على ميعاد. فأتى أصحابه فأخبرهم، فأجمعوا أمرهم على أن يأتوه إذا أمسى لميعاده. ثم أتوا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عشاء فأخبروه فمشى [معهم].
و روى ابن إسحاق و الإمام أحمد بسند صحيح عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) مشى معهم إلى بقيع الفرقد، ثم وجّههم و قال: «انطلقوا على اسم اللَّه، اللهم أعنهم» و عند ابن سعد: «امضوا على بركة اللَّه و عونه».
ثم رجع رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى بيته في ليلة مقمرة مثل النهار، ليلة أربع عشرة من شهر ربيع الأول.
[١] أخرجه مسلم في الموضع السابق في باب قتل كعب بن الأشرف.