سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٦ - الباب الحادي عشر في سرية محمد بن مسلمة رضي اللّه تعالى عنه إلى كعب بن الأشرف و ذلك لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول في السنة الثالثة
و ذكر ابن عائذ أن كعبا حالف قريشا عند أستار الكعبة على قتال المسلمين. و روي عن عروة أن قريشا قالت لكعب: أديننا أهدى أم دين محمد؟ قال: دينكم.
فلما بلغها هجاؤه نبذت رحله و قالت: ما لنا و لهذا اليهودي ألا ترى ما يصنع بنا حسّان؟
فتحوّل، فكلما تحول عند قوم دعا رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) حسّانا فقال: «ابن الأشرف نزل على فلان».
فلا يزال يهجوهم حتى ينبذ رحله. فلما لم يجد مأوى قدم المدينة. انتهى.
قال ابن إسحاق: ثم رجع كعب بن الأشرف إلى المدينة فشبّب بنساء المسلمين حتى آذاهم.
و روى عبد اللَّه بن إسحاق الخراساني في فموائده عن عكرمة أن كعبا صنع طعاما و واطأ جماعة من اليهود أن يدعو النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى وليمة، فإذا حضر فتكوا به. ثم دعاه فجاء و معه بعض أصحابه. فأعلمه جبرئيل (عليه السلام) بما أضمروه فرجع فلما فقدوه تفرّقوا. انتهى.
فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «اللهم اكفني بن الأشرف بما شئت في إعلانه الشّرّ» [١].
و قال (صلّى اللّه عليه و سلم)، كما في الصحيح: «من لي بكعب بن الأشرف فقد آذى اللَّه و رسوله» [٢].
و في رواية: «فقد آذانا بشعره و قوّى المشركين علينا». فقال محمد بن مسلمة: أنا لك به يا رسول اللَّه، أنا أقتله. قال: «أنت له فافعل إن قدرت على ذلك».
[و في رواية عروة عند ابن عائذ فسكت رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فإن قلت (بهذا) احتمل أن يكون سكت أولا ثم أذن]. فرجع محمد بن مسلمة، فمكث ثلاثا لا يأكل و لا يشرب إلا ما تعلق به نفسه. فذكر ذلك لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فدعاه فقال له: «لم تركت الطعام و الشراب؟» فقال: يا رسول اللَّه قلت لك قولا لا أدري هل أفينّ لك به أم لا. فقال: «إنما عليك الجهد».
و قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «شاور سعد بن معاذ في أمره» فشاوره فقال له: توجّه إليه و اذكر له الحاجة و سله أن يسلفكم طعاما.
فاجتمع [في قتله] محمد بن مسلمة، و عباد بن بشر، و أبو نائلة سلكان بن سلامة، و الحارث بن أوس بن معاذ، بعثه عمّه سعد بن معاذ، و أبو عبس بن جبر، فقالوا: «يا رسول اللَّه نحن نقتله فأذن لنا فلنقل شيئا فإنه لا بدّ لنا من أن نقول:». فقال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «قولوا ما بدا لكم فأنتم في حلّ من ذلك».
فخرج أبو نائلة كما قال جلّ أئمة المغازي و كان أخا كعب من الرّضاعة. و في الصحيح خرج إليه محمد بن مسلمة.
فلما رآه كعب أنكر شأنه و ذعر منه. فقال أبو نائلة أو محمد بن مسلمة: حدثت حاجة.
[١] أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٩١.
[٢] أخرجه البخاري ٧/ ٣٩٠ (٤٠٣٧) و مسلم في كتاب الجهاد (١١٩) و أبو داود (٢٧٦٨).