سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢٢ - الباب السادس و الستون في سرية خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه إلى أكيدر بن عبد الملك
فلما رأى النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) سجد له، فأومأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بيده: لا لا مرّتين. و أهدى لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) هديّة فيها كسوة، قال ابن الأثير: و بغلة و صالحه على الجزية. قال ابن الأثير:
و بلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار و حقن دمه و دم أخيه و خلّى سبيلهما. و كتب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كتابا فيه أمانهم و ما صالحهم عليه، و لم يكن في يد النبي (صلّى اللّه عليه و سلم) يومئذ خاتم فختم الكتاب بظفره.
قال محمد بن عمر حدثني شيخ من أهل دومة أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) كتب له هذا الكتاب: «بسم اللّه الرحمن الرحيم»: هذا كتاب من محمد رسول اللّه لأكيدر حين أجاب إلى الإسلام، و خلع الأنداد و الأصنام مع خالد بن الوليد سيف اللّه في دومة الجندل و أكنافها: أنّ لنا الضّاحية من الضّحل و البور و المعامي و أغفال الأرض و الحلقة [و السلاح] و الحافر و الحصن و لكم الضّامنة من النّخل و المعين من المعمور بعد الخمس و لا تعدل سارحتكم و لا تعدّ فاردتكم و لا يحظر عليكم النبات تقيمون الصلاة لوقتها و تؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك عهد اللّه و الميثاق، و لكم بذلك الصدق و الوفاء، شهد اللّه تبارك و تعالى و من حضر من المسلمين» [١].
و قال بجير بن بجرة الطائي يذكر قول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) لخالد بن الوليد: «إنك ستجده يصيد البقر».
و ما صنعت البقر تلك الليلة بباب الحصن تصديقا لقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم):
تبارك سائق البقرات إنّي* * * رأيت اللّه يهدي كلّ هاد
فمن يك حائدا عن ذي تبوك* * * فإنّا قد أمرنا بالجهاد
قال البيهقي بعد أن أورد هذين البيتين من طريق ابن إسحاق و زاد غيره و ليس في روايتنا:
فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا يفضض اللّه فاك» [٢].
فأتى عليه تسعون سنة فما تحرّك له ضرس.
و روى ابن مندة و ابن السّكن و أبو نعيم، كلهم عن الصحابة، عن بجير بن بجرة قال: كنت في جيش خالد بن الوليد حين بعثه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أكيدر دومة فقال له: «إنك تجده يصيد البقر». فوافقناه في ليلة مقمرة و قد خرج كما نعته رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فأخذناه فلما أتينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أنشدته أبياتا، فذكر ما سبق. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و سلم): «لا يفضض اللّه فاك». فأتت عليه تسعون سنة و ما تحرّك له سنّ.
[١] أخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٥٤.
[٢] أخرجه البيهقي في الدلائل ٥/ ٢٥١ و ذكره ابن حجر في المطالب (٤٠٦٥) و ابن كثير في البداية و النهاية ٥/ ١٧.