سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ٢٢١ - الباب السادس و الستون في سرية خالد بن الوليد رضي اللّه تعالى عنه إلى أكيدر بن عبد الملك
فساعة فصل أخذته الخيل، فاستأثر أكيدر و امتنع حسّان و قاتل حتى قتل و هرب المملوكان و من كان معه من أهل بيته، فدخلوا الحصن، و كان على حسّان قباء من ديباج مخصوص بالذهب، فاستلبه خالد. و قال خالد لأكيدر: هل لك أن أجبرك من القتل حتى آتي بك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على أن تفتح لي دومة؟ فقال أكيدر: نعم. فانطلق به خالد حتى أدناه من الحصن.
فنادى أكيدر أهله أن افتحوا باب الحصن، فأرادوا ذلك، فأبي عليهم مضادّ أخو أكيدر.
فقال أكيدر لخالد: تعلم و اللّه أنهم لا يفتحون لي ما رأوني في وثاقك فخلّ عنّي فلك اللّه و الأمانة أن أفتح لك الحصن إن أنت صالحتني على أهلي. قال خالد: فإني أصالحك فقال أكيدر إن شئت حكّمتك و إن شئت حكّمتني. فقال خالد: بل نقبل منك ما أعطيت. فصالحه على ألفي بعير و ثمانمائة رأس و أربعمائة درع و أربعمائة رمح، على أن ينطلق به و بأخيه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فيحكم فيهما حكمه. فلما قاضاه خالد على ذلك خلّى سبيله، ففتح باب الحصن، فدخله خالد و أوثق مضادا أخا أكيدر، و أخذ ما صالح عليه من الإبل و الرقيق و السلاح. و لما ظفر خالد بأكيدر و أخيه حسّان أرسل خالد عمرو بن أميّة الضّمري بشيرا و أرسل معه قباء حسّان. قال أنس و جابر: رأينا قباء حسّان أخي أكيدر حين قدم به إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم و يتعجبون منه.
فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «أ تعجبون من هذا؟ فو الذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنّة أحسن من هذا» [١].
ثم إن خالدا لما قبض ما صالحه عليه أكيدر عزل للنبي (صلّى اللّه عليه و سلم) صفيّة له قبل أن يقسم شيئا من الفيء، ثم خمّس الغنائم بعد. قال محمد بن عمر: كان صفيّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) عبدا أو أمة أو سيفا أو درعا أو نحو ذلك.
ثم خمّس خالد الغنائم بعد، فقسمها بين أصحابه. قال أبو سعيد الخدريّ: أصابني من السلاح درع و بيضة و أصابني عشر من الإبل. و قال واثلة بن الأسقع: أصابني ست فرائض.
و قال عبد الله بن عمرو بن عوف المازني: كنا مع خالد بن الوليد أربعين رجلا من بني مزينة و كانت سهماننا خمس فرائض لكل رجل مع سلاح يقسم علينا دروع و رماح. قال محمد بن عمر: إنما أصاب الواحد ستّا و الآخر عشرا بقيمة الإبل. ثم إن خالدا توجّه قافلا إلى المدينة و معه أكيدر و مضاد. و روى محمد بن عمر عن جابر رضي اللّه تعالى عنه قال: رأيت أكيدر حين قدم به خالد و عليه صليب من ذهب و عليه الديباج ظاهرا.
[١] أخرجه ابن ماجة (١٥٧) و أحمد في المسند ٣/ ٢٠٩ و الحديث أخرجه البخاري ١٠/ ٣٠٣ (٥٨٣٦).