سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥١ - ذكر تأمير المسلمين خالد بن الوليد بعد قتل أمراء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هزمه المشركين، و إعلام اللّه تعالى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بالفتح
اللّواء «حمل على القوم فهزمهم اللّه أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا».
و روى الطبراني برجال ثقات عن موسى بن عقبة قال: ثم اصطلح المسلمون بعد أمراء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) على خالد بن الوليد المخزومي فهزم اللّه تعالى العدوّ و أظهر المسلمين. و روى محمد بن عمر الأسلمي عن عطّاف بن خالد لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد، فلما أصبح غدا و قد جعل مقدمته ساقته و ساقته مقدمته و ميمنته ميسرة و ميسرته ميمنة، فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم و هيأتهم و قالوا و قد جاءهم مدد فرعبوا و انكشفوا منهزمين. قال:
فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. و ذكر ابن عائذ في مغازيه نحوه.
و روى محمد بن عمر عن الحارث بن الفضل (رحمه اللّه تعالى): لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «الآن حمي الوطيس» [١].
و روى القرّاب في تاريخه عن برذع بن زيد رضي اللّه تعالى عنه قال: اقتتل المسلمون مع المشركين سبعة أيام. و روى الحاكم في المستدرك عن أبي هريرة و أبي سعيد الخدري رضي اللّه تعالى عنهما و هذا الذي ذكره أبو عامر و الزهري، و عروة، و ابن عقبة، و عطّاف بن خالد، و ابن عائذ و غيرهم هو ظاهر
قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) في حديث أنس: «ثم أخذ الراية سيف من سيوف اللّه ففتح اللّه على يديه» [٢].
و في حديث أبي قتادة رضي اللّه تعالى عنه مرفوعا كما سيأتي. ثم أخذ خالد بن الوليد اللواء و لم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه.
ثم رفع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أصبعه، ثم قال: «اللهم إنه سيف من سيوفك فانصره» [٣].
فمن يومئذ سمّي خالد بن الوليد «سيف اللّه»، رواه الإمام أحمد برجال ثقات و يزيده قوّة و يشهد له بالصحة ما رواه الإمام أحمد، و مسلم، و أبو داود، و البرقاني عن عوف بن مالك الأشجعي رضي اللّه تعالى عنه قال: «خرجت [مع من خرج] مع زيد بن حارثة رضي اللّه تعالى عنهما في غزوة مؤتة و رافقتني مدديّ من المسلمين من اليمن، ليس معه غير سيفه. فنحر رجل من المسلمين جزورا فسأله المدديّ طائفة من جلد، فأعطاه إياه فاتخذه كهيئة الدّرقة، و مضينا و لقينا جموع الروم فيهم رجل على فرس له أشقر، عليه سرج مذهّب و سلاح مذهّب، فجعل الرومي يغزو المسلمين، فقعد له المدديّ خلف صخرة فمرّ به الرومي فعرقب فرسه بسيفه و خرّ الرومي فعلاه بسيفه فقتله و حاز سلاحه و فرسه. فلما فتح اللّه تعالى على المسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ منه بعض السّلب. قال عوف، فأتيت خالدا و قلت له: أما
[١] أخرجه مسلم ٣/ ١٣٩٨ كتاب الجهاد (٧٦- ١٧٧٥) من حديث عباس و أحمد في المسند ١/ ٢٠٧ و عبد الرزاق (٩٧٤١).
[٢] أخرجه البخاري (٤٢٦٢).
[٣] أخرجه البيهقي في الدلائل ٤/ ٣٦٨ و ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٥١٣.