سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١٥٣ - ذكر بعض ما غنمه المسلمون يوم مؤتة
أسماء بنت عميس رضي اللّه تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) يوم أصيب جعفر و أصحابه فقال: «ايتني ببني جعفر». فأتيته بهم فشمهم و ذرفت عيناه، فقلت يا رسول اللّه بأبي أنت و أمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر و أصحابه شيء؟ قال: «نعم أصيبوا هذا اليوم».
قالت: فقمت أصيح و اجتمع إليّ النساء و خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) إلى أهله فقال: «لا تغفلوا عن آل جعفر أن تصنعوا لهم طعاما فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم».
و روى البخاري و البيهقي عن أنس رضي اللّه تعالى عنه قال: نعى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) و هو على المنبر زيدا و جعفرا و ابن رواحة للناس يوم أصيبوا قبل أن يأتيه خبرهم فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، و عيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللّه ففتح اللّه عليهم» [١].
و روى النّسائي و البيهقي عن أبي قتادة رضي اللّه تعالى عنه قال: «بعث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) جيش الإمراء فانطلقوا فلبثوا ما شاء اللّه، فصعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) المنبر فنودي: الصلاة جامعة. فاجتمع الناس إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) فقال:
«أخبركم عن جيشكم هذا. إنهم انطلقوا فلقوا العدوّ فقتل زيد شهيدا، فاستغفر له ثم أخذ اللواء جعفر فشدّ على القوم حتى قتل شهيدا، فاستغفر له، ثم أخذه خالد بن الوليد، و لم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه». ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره».
فمن يومئذ سمّي خالد: «سيف اللّه».
و روى البيهقي عن ابن عقبة (رحمه اللّه تعالى) قال: «قدم يعلى بن أميّة رضي اللّه تعالى عنه على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، بخبر أهل مؤتة. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إن شئت أخبرني و إن شئت أخبرك، بخبرهم». قال: بل أخبرني يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم). فأخبره رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم) خبرهم كله فقال: «و الذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا واحدا لم تذكره و إن أمرهم لكما ذكرت. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «إن اللّه عز و جل رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم و رأيتهم في المنام على سرر من ذهب فرأيت في سرير عبد اللَّه بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه فقلت: عم هذا؟ فقيل لي: مضيا و تردد بعض التردّد ثم مضى» [٢].
و روى عبد الرزاق عن ابن المسيب (رحمه اللّه تعالى) مرسلا قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم): «مثل جعفر و زيد و ابن رواحة في خيمة من درّ، فرأيت زيدا، و ابن رواحة في أعناقهما صدودا، و رأيت جعفرا مستقيما ليس فيه صدود، فسألت أو قيل لي إنهما حين غشيهما الموت اعتراضا أو كأنهما صدّا بوجهيهما و أما
[١] أخرجه البخاري ٢/ ٩٢ و أحمد في المسند ٣/ ١١٣ و البيهقي في السنن ٨/ ١٥٤ و الحاكم في المستدرك ٣/ ٤٢ و ابن سعد في الطبقات ٤/ ١/ ٢٥.
[٢] انظر البداية و النهاية ٤/ ٢٤٧.