سبل الهدى و الرشاد في سيرة خير العباد - محمد بن يوسف الصالحي الدمشقي - الصفحة ١١٨ - تنبيهات
الرابع: ظاهر بعض الروايات أن اللّقاح كانت لرسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم)، و صرّح بذلك في رواية البخاري في المحاربين فقال: إلا أن تلحقوا بإبل رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم). و في رواية: «فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة». و الجمع بينهم أن إبل الصدقة كانت ترعى خارج المدينة، و صادف بعث رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) بلقاحه إلى المرعى طلب هؤلاء النفر الخروج إلى الصحراء لشرب ألبان الإبل، فأمرهم أن يخرجوا مع راعية، فخرجوا معه إلى الإبل ففعلوا ما فعلوا، و ظهر مصداق رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) أن المدينة تنفي خبثها.
الخامس: احتج من قال بطهارة بول ما أكل لحمه بما في قصة العرنيّين من أمره لهم بشرب ألبانها و أبوالها، و هو قول الإمام مالك و أحمد، و وافقهم من الشافعية ابن خزيمة و ابن المنذر و ابن حبّان و الاصطخري و الروياني. و ذهب الإمام الشافعي و الجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال و الأرواث كلها من مأكول اللحم و غيره. و احتج ابن المنذر بقوله توزن الأشياء على الطهارة حتى تثبت النجاسة. قال: و من زعم أن هذا خاصّ بأولئك الأقوام لم يصب إذ الخصائص لا تثبت إلا بدليل. قال: و في ترك أهل العلم بيع الناس أبعار الغنم في أسواقهم و استعمال أبوال الإبل في أدويتهم قديما و حديثا من غير نكير دليل ظاهر قال الحافظ: و هو استدلال ضعيف لأن المختلف فيه لا يجب إنكاره فلا يدل ترك إنكاره على جوازه فضلا عن طهارته. و قد دلّ على نجاسة الأبوال
حديث أبي هريرة رضي اللَّه تعالى عنه أن رسول اللَّه (صلّى اللّه عليه و سلم) قال: « [دعوه و هريقوا على بوله سجلا من ماء أو ذنوبا من ماء فإنما بعثتم ميسّرين و لم تبعثوا معسّرين»].
و كان القاضي أبو بكر بن العربي الذي تعلق بهذا الحديث ممن قال بطهارة أبوال الإبل، و عورض بأنه أذن لهم في شربها للتداوي. و تعقب بأن التداوي ليس حال ضرورة بدليل أنه لا يجب، فكيف يباح الحرام بما لا يجب؟ و أجيب بمعنى أنه ليس بحال ضرورة، بل هو حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره، و ما أبيح للضرورة لا يسمى حراما و قد تأوّله لقوله تعالى: وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام ١١٩] فما اضطرّ إليه المرء فهو غير محرّم عليه كالميتة للمضطر، و اللَّه تعالى أعلم. قال الحافظ و ما تضمنه كلامه من أن الحرام لا يباح و لا الأمر واجب غير مسلّم فإن الفطر في رمضان حرام، و مع ذلك فيباح لأمر جائز كالسّفر مثلا. و أما قول غيره: و لو كان نجسا ما جاز التداوي به
لقوله (صلّى اللّه عليه و سلم): «إن اللَّه تعالى لم يجعل شفاء أمتى فيما حرّم عليها».
رواه أبو داود من حديث أم سلمة: فجوابه أن الحديث محمول على حالة الاختيار. و أما في حالة الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للمضطر، و لا يردّ قوله (صلّى اللّه عليه و سلم) في الخبر إنها ليست بدواء، إنها داء في سؤال من سأل من التداوي بها فيما رواه مسلم فإن ذلك خاص بالخمر و يلتحق بها غيرها من المسكر.
و الفرق بين المسكر و غيره من النجاسات أن الحديث باستعماله في حالة الاختيار دون غيره