دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٧ - الجزء الأول
(١) كانت تتعاطى الكلام الفصيح و البلاغة و الخطابة. فدلّ أن العجز عنه إنما كان لأن يصير علما على رسالته و صحّة نبوته. و هذا حجّة قاطعة، و برهان واضح.
قلنا: و في القرآن وجهان آخران من الإعجاز.
(أحدهما): ما فيه من الخبر عن الغيب، و ذلك في قوله عز و جل:
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [٤٤] و قوله: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ [٤٥] و قوله في الروم: وَ هُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ [٤٦] و غير ذلك من وعده إياه بالفتوح في زمانه و بعده، ثم كان كما أخبر. و معلوم أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان لا يعلم النجوم و لا الكهانة و لا يجالس أهلها.
(و الآخر): ما فيه الخبر عن قصص الأولين من غير خلاف ادّعى عليه فيما وقع الخبر عنه من كان من أهل تلك الكتب. و معلوم أنه (صلّى اللّه عليه و سلّم) كان أمّيا لا يقرأ كتابا و لا يخطّه. و لا يجالس أهل الكتب للأخذ عنهم. و حين زعم بعضهم أنما يعلمه بشر- ردّ اللّه ذلك عليهم فقال: لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ [٤٧] فزعم أهل التفسير أنه كان لابن الحضرميّ غلامان نصرانيان يقرآن كتابا لهما بالرومية، و قيل بالعبرانية. فكان (صلّى اللّه عليه و سلّم) يأتيهما فيحدثهما و يعلّمهما، فقال المشركون: إنما يتعلّم محمد منهما، فأنزل اللّه عز و جل هذه الآية [٤٨].
[٤٤] الآية الكريمة (٣٣) من سورة التوبة.
[٤٥] الآية الكريمة (٥٥) من سورة النور.
[٤٦] الآية الكريمة (٣) من سورة الروم.
[٤٧] الآية الكريمة (١٠٣) من سورة النحل.
[٤٨] و هي شبهة من شبهات منكرى نبوة محمد (صلّى اللّه عليه و سلّم)، و ذلك لأنهم كانوا يقولون: إن محمدا إنما يذكر هذه القصص و هذه الكلمات؟؟ يستفيدها من انسان آخر و يتعلمها منه، و اختلفوا في هذا البشر، فقيل: هو عبد لبني عامر بن لؤي، يقال له: «يعيش» و كان يقرأ الكتب، و قيل:
«عداس» غلام عتبة بن ربيعة و قيل «أبو ميسرة الرومي» و قيل غير ذلك، و لا فائدة من ذكر