المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٣٨ - باب ذكر خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك
نطيق ذلك، معها قائد في ألف فارس من أهل الشام، فدعى مولى له فقال: هلم الجراب، فأتاه بجراب فيه درع عبد الرحمن التي شهد فيها بدرا، فصبها عليه و قال لغلامه: هلم بغلتي، فأتاه ببغلته فركبها، فما تخلف عنه يومئذ قرشي و لا أنصاري حتى إذا أتاه قال: عليّ بالنار، فأتي بنار فأضرمها فيها، فغضب القائد و همّ بالخصومة، فقيل له: هذا قاضي أمير المؤمنين و معه الناس و لا طاقة لك به، فانصرف راجعا إلى الشام، و شبع عبيد أهل المدينة من الناطق مما استلبوه من حديدها.
فلما بلغ ذلك الوليد كتب إليه: ولّ القضاء رجلا و أقدم علينا، فولى القضاء رجلا و ركب حتى أتى الشام، فأقام ببابه أشهرا لا يؤذن له حتى نفذت نفقته، و أضرّ به طول المقام، فبينا هو ذا عشية في المسجد إذا هو بفتى في جبة صفراء سكران، فقال [١]: ما هذا؟ قالوا: هذا خال أمير المؤمنين سكران يطوف في المسجد، فقال لمولى له: هلم بالسوط، فأتاه بسوطه، فقال [٢]: عليّ به، فأتي به فضربه في المسجد ثمانين سوطا، و ركب بغلته و مضى راجعا إلى المدينة، فأدخل الفتى على الوليد مجلودا، فقال: من فعل هذا به؟ قالوا: مديني كان في المسجد، فقال: عليّ به، فلحق على مرحلة، فدخل عليه، فقال أبا إسحاق: ما ذا فعلت يا ابن أخيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنك وليتنا أمرا من أمورك، و إني رأيت حدّ اللَّه ضائعا، سكران يطوف في المسجد و فيه الوفود و وجوه الناس، و كرهت أن يرجع الناس عنك بتعطيل الحدود، فأقمت عليه حده، فقال: جزاك اللَّه خيرا، و أمر له بمال و صرفه إلى المدينة و لم يذاكره شيئا من أمر القبة و لا عن فعله فيها.
و لما ظهر من الوليد تهاون بالدين طمع [٣] فيه هشام و أراد خلعه و البيعة لابنه [مسلمة بن هشام فأبى فتنكر له هشام و عمل سرا في البيعة لابنه] [٤] و تمادى الوليد في الشراب فأفرط، فقال له هشام: ويحك يا وليد، ما أدري أعلى الإسلام أنت أم لا، ما تدع شيئا من المنكر إلا أتيته غير متحاش، فكتب إليه الوليد يقول:
[١] في الأصل: «فقالوا». و ما أوردناه من ت
[٢] «هلم بالسوط فأتاه بسوطه فقال». ساقطة من ت.
[٣] في ت: «و لما ظهر من تهاون الوليد بالدين طمع».
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.