المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٤ - باب ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز
الرجل. و بلغ ذلك عمر بن الوليد بن عبد الملك، فكتب إليه: إنك قد أزريت على من كان قبلك من الخلفاء، و عبت عليهم و سرت بغير سيرتهم بغضا لهم و سبى لمن بعدهم من أولادهم، قطعت ما أمر اللَّه به أن يوصل إذ عمدت إلى أموال قريش و مواريثهم، فأدخلتها في بيت المال جورا و عدوانا، و لن تترك على هذا، فلما قرأ كتابه كتب إليه:
بسم اللَّه الرحمن الرحيم. من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى عمر بن الوليد، السلام على المرسلين و الحمد للَّه رب العالمين، أما بعد، فإنني بلغني كتابك و سأجيبك بنحو منه: أما أول شأنك ابن الوليد كما زعم فأمك بنانة أمة السكون، كانت تطوف في سوق حمص و تدخل في حوانيتها، ثم اللَّه أعلم بما اشتراها ذبيان من فيء المسلمين، فأهداها لأبيك، فحملت بك، فبئس المحمول و بئس المولود. ثم نشأت فكنت جبارا عنيدا، أ تزعم أني من الظالمين لما حرمتك و أهل بيتك فيء اللَّه عز و جل الّذي فيه حق القرابة و المساكين و الأرامل، و إن أظلم مني و أترك لعهد اللَّه من استعملك صبيا سفيها على جند المسلمين تحكم فيهم برأيك، و لم تكن له في ذلك نية إلا حب الوالد لولده، فويل لك و ويل لأبيك، ما أكثر خصماء كما يوم القيامة، و كيف ينجو أبوك من خصمائه.
و إن أظلم مني و أترك لعهد اللَّه من استعمل الحجاج بن يوسف يسفك الدم الحرام، و يأخذ المال الحرام. و إن أظلم مني و أترك لعهد اللَّه من استعمل قرة بن شريك أعرابيا جافيا على مصر أذن له في المعازف و اللهو و الشرب. و إن أظلم مني و أترك لعهد اللَّه من جعل لعالية البربرية سهما في خمس فيء العرب فرويدا يا ابن بنانة، فلو التقى خلقا البطان ورد الفيء إلى أهله لتفرغت لك و لأهل بيتك فوضعتهم على المحجة البيضاء، فطالما تركتم الحق و أخذتم في بنيات الطريق، و من وراء هذا ما أرجو أن أكون رأيته بيع رقبتك و قسم ثمنك بين اليتامى و المساكين و الأرامل فإن لكل فيك حقا، و السلام علينا و لا ينال سلام اللَّه الظالمين.
أخبرنا هبة اللَّه بن أحمد الحريري بإسناده عن عمرو بن مهاجر [١] قهرمان عمر بن عبد العزيز، قال:
كان نقش خاتم عمر بن عبد العزيز «الوفاء عزيز».
[١] في ت: «و روى عن عمر بن مهاجر».