المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٣ - باب ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز
ثوبك، فلما همت أن تفعل قال: على رسلك، اقعدي، أخبريني لمن كنت؟ و من أين أنت لفاطمة؟ قالت: كان الحجاج بن يوسف أغرم عاملا كان له من أهل الكوفة مالا، و كنت في رقيق ذلك العامل فاستصفاني عنه مع رقيق له و أموال، فبعث بي إلى عبد الملك بن مروان و أنا يومئذ صبية، فوهبني عبد الملك لابنته فاطمة. قال: و ما فعل ذلك العامل؟ قالت: هلك، قال: و ما ترك ولدا؟ قالت: بلى، قال: و ما حالهم؟ قالت:
بشرّ، قال: شدي عليك ثوبك.
ثم كتب إلى عبد الحميد عامله على بلدهم: أن سرح إليّ فلان بن فلان على البريد، فلما قدم قال: ارفع إلي جميع ما أغرم الحجاج أباك فلم يرفع إليه شيئا إلا دفعه إليه، ثم أمر بالجارية فدفعت إليه، فلما أخذ بيدها قال: إياك و إياها فإنك حديث السن و لعل أباك أن يكون قد وطئها، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين هي لك، قال: لا حاجة لي فيها، قال: فابتعها مني، قال: لست إذا ممن ينهى النفس عن الهوى. فمضى بها الفتى فقالت له الجارية: فأين موجدتك بي [١] يا أمير المؤمنين؟ قال: إنها لعلى حالها و لقد ازدادت، فلم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات.
أخبرنا هبة اللَّه بن أحمد الجريريّ، قال: أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، قال:
أخبرنا أبو بكر بن عبد اللَّه بن خلف، قال: حدّثنا أحمد بن مطرف، قال: حدّثنا أحمد بن المغلس الجماني، قال: حدّثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدّثنا ابن المبارك، عن سفيان، عن أبي الزناد، عن أبي حازم، قال:
قدمت على عمر بن عبد العزيز و قد ولي الخلافة، فلما نظر إليّ عرفني و لم أعرفه، فقال: ادن مني، فدنوت منه، فقلت: أنت أمير المؤمنين؟ قال: نعم، فقلت:
أ لم تكن عندنا بالمدينة أميرا، فكان مركبك وطيا، و ثوبك نقيا و وجهك بهيا، و طعامك شهيا، و خدمك كثير، فما الّذي غيرك و أنت أمير المؤمنين؟ فبكى و قال: يا أبا حازم، كيف لو رأيتني بعد ثلاث في قبري و قد سالت حدقتاي على وجنتي، ثم جف لساني، و انشقت بطني و جرت الديدان في بدني لكنت لي أشد إنكارا، أعد عليّ الحديث الّذي حدثتني بالمدينة، قلت: يا أمير المؤمنين،
سمعت أبا هريرة يقول: سمعت النبي صلى اللَّه عليه و سلّم يقول: «إن بين أيديكم عقبة كؤودا مضرسة لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول».
[١] في الأصل: «موجدتك فيّ». و ما أوردناه من ت.