المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٠ - ٧٢٩- عبد اللَّه بن السائب المخزومي المديني
ألفيت بيني و بين الحب معرفة * * * فليس ينفذ حتى ينفذ الأبد
و ليس لي مسعد فامنن عليّ به * * * فقد بليت و قد أضناني الكمد
قال: فخرج أبو السائب خلفه و قال: قف يا حبيب فقد أجبت دعوتك، [أنا مسعدك] [١]، أين تريد؟ قال: خيام السعف من وادي العرج، فأصابتهما سماء شديدة، فجعل أبو السائب يقرأ: (فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ ما ضَعُفُوا وَ مَا اسْتَكانُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [٢] فرجع إلى منزله و قد كادت نفسه تتلف، فدخل عليه أصحابه، فقالوا له: يا أبا السائب، ما الّذي تصنع بنفسك؟ قال: إليكم عني، فإنّي مشيت في مكرمة، و أحببت مسلما، و المحسن معان.
قال مؤلف الكتاب [٣]: و الأخبار عنه في هذا المعنى كثيرة حتى ان ابنه أنشده بيتين و قد اجتمع أهل الدار على المائدة، فقال له: أمك طالق إن تعشينا و لا تسحرنا إلا بهذين البيتين [فرفعوا الطعام و جعلوا يرددون البيتين] [٤]، ثم أيقظهم سحرا فأنشدوه.
و جاز على حداد [٥]، و هو ينشد، فحلف لينفخن له بمنفاخه، فجلس ينفخ و ذلك ينشده إلى المغرب.
و روى عبد الرحمن [٦] المدائني قال: حدّثنا أبو عثمان المازني، قال: صام أبو السائب المخزومي يوما، فلما صلى المغرب و قدمت مائدته خطر بقلبه بيت لجرير:
إن الذين غدوا بقلبك غادروا * * * وشلا بعينك ما يزال معينا
غيضن من عبراتهن و قلن لي * * * ما ذا لقيت من الهوى و لقينا
فقال: كل امرأة له طالق و كل مملوك له حرّ إن أفطر الليلة إلا على هذين البيتين.
أخبرنا المبارك بن علي بإسناد له عن عبد الملك بن عبد العزيز، قال: قال لي أبو
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[٢] سورة: آل عمران، الآية: ١٤٦.
[٣] في ت: «قال المصنف».
[٤] ما بين المعقوفتين: من ت.
[٥] في ت: «على صائغ».
[٦] في الأصل: «و عن عبد الرحمن». و ما أوردناه من ت.