المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٤٨ - ٦٠٥- الحجاج العابد
توفي جرير باليمامة بعد الفرزدق بأربعين يوما في هذه السنة.
٦٠٥- الحجاج العابد:
أخبرنا المحمدان ابن عبد الملك و ابن ناصر، قالا: أخبرنا أحمد بن الحسين بن خيرون، قال: قرئ على أبي القاسم عبد الملك بن بشران و أنا أسمع، أخبركم محمد بن الحسين الآجري، قال: أخبرنا الفضل بن العباس بن يوسف الشكلي، قال:
حدّثنا محمد بن إسحاق السلمي، قال: حدّثنا محمد بن صالح التميمي، قال: قال أبو عبد اللَّه مؤذن مسجد بني جراد:
جاورني شاب فكنت إذا أذنت للصلاة وافى كأنه نقرة في قفاي، فإذا صليت صلى ثم لبس نعليه ثم دخل إلى منزله، فكنت أتمنى أن يكلمني أو يسألني حاجة، فقال لي ذات يوم: يا أبا عبد اللَّه، عندك مصحف تعيرني أقرأ فيه، فأخرجت إليه مصحفا و رفعته إليه فضمه إلى صدره، ثم قال: ليكونن [اليوم] [١] لي و لك شأن، ففقدته ذلك اليوم، فلم أره يخرج، فأقمت للمغرب فلم يخرج، و أقمت لعشاء الآخرة فلم يخرج، فساء ظني، فلما صليت العشاء الآخرة جئت إلى الدار التي هو فيها، فإذا فيها دلو و مطهرة، و إذا على بابه ستر، فدفعت الباب فإذا به ميت و المصحف في حجره، فأخذت المصحف من حجره، و استعنت بقوم على حمله حتى وضعناه على سريره، و بقيت أفكر ليلتي من أكلم حتى يكفنه، فأذنت للفجر بوقت، و دخلت المسجد لأركع، فإذا بضوء في القبلة، فدنوت منه فإذا كفن ملفوف في القبلة، فأخذته و حمدت اللَّه عز و جل و أدخلته البيت و خرجت، فأقمت الصلاة، فلما سلمت إذا عن يميني ثابت البناني و مالك ابن دينار، و حبيب الفارسيّ، و صالح المري، فقلت: يا إخواني، ما غدا بكم؟ قالوا لي: مات في جوارك الليلة أحد، قلت: مات شاب كان يصلي معي الصلوات، فقالوا لي: أرناه، فلما دخلوا عليه كشف مالك بن دينار عن وجهه، ثم قبل موضع سجوده، ثم قال: بأبي أنت يا حجاج إذا عرفت في موضع تحولت منه إلى موضع غيره، ثم أخذوا في غسله و إذا مع كل واحد منهم كفن، فقال واحد منهم: أنا أكفنه، فلما طال ذلك منهم قلت لهم: إني فكرت في أمره الليلة فقلت: من أكلم حتى يكفنه، فأتيت المسجد فأذنت ثم دخلت لأركع فإذا كفن ملفوف لا أدري من وضعه، فقالوا: يكفن في ذلك
[١] ما بين المعقوفتين: من ت.