المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٤٧ - ٥٤٣- إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه التيمي
محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه و قربه في المنزلة، فلم يزل كذلك عنده [١] حتى خرج إلى عبد الملك بن مروان زائرا له، فخرج معادلا له لا يترك توشيحه و تعظيمه، فلما حضر باب عبد الملك حضر معه [٢]، فدخل على عبد الملك فلم يبدأ بشيء بعد التسليم أولى من أن قال: قدمت عليك يا أمير المؤمنين برجل الحجاز، لم أدع و اللَّه له فيها [٣] نظيرا في كمال المروءة و الأدب و حسن المذهب و الطاعة و النصيحة مع القرابة و وجوب الحق و فضل الأبوة إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللَّه و قد أحضرته بابك أسهل عليه أذنك، و تلقاه ببشرك، و تفعل به ما تفعل بمثله ممن كانت مذاهبه مثل مذاهبه. فقال عبد الملك: ذكرتنا حقا واجبا و رحما قريبة، يا غلام ائذن لإبراهيم بن محمد بن طلحة. فلما دخل قربه حتى أجلسه على فراشه ثم قال له: يا ابن طلحة، إن أبا محمد ذكرنا ما لم نزل نعرفك به في الفضل و الأدب و حسن المذهب مع قرابة الرحم و وجوب الحق، فلا تدعن حاجة في خاص من أمرك و لا عام إلا ذكرتها، قال: يا أمير المؤمنين، إن أولى الأمور أن يفتتح به الحوائج و ترجى به الزلف ما كان للَّه عز و جل رضى، و لحق نبيه محمد صلى اللَّه عليه و سلّم أداء، و لك و لجماعة المسلمين نصيحة، و إن عندي نصيحة لا أجد بدا من ذكرها، و لا يكون البوح بها إلا و أنت خال، فأخلني حتى ترد عليك نصيحتي، قال: دون أبا محمد؟ قال: دون أبا محمد، قال: قم يا حجاج، فلما جاز حد الستر قال: قل يا أبا طلحة نصيحتك، قال: يا أمير المؤمنين، إنك عمدت إلى الحجاج في تغطرسه [٤] و تعجرفه و بعده من الحق و ركونه إلى الباطل فوليته الحرمين و بهما من بهما، و فيهما من فيهما من المهاجرين و الأنصار و الموالي و الأخيار أصحاب رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم و أبناء الصحابة يسومهم الخسف، و يطؤهم بالعسف، و يحكم بينهم بغير السنة، و يطؤهم بطغام من أهل الشام، و زعازع لا روية لهم في إقامة حق و لا إزاحة باطل، ثم ظننت أن ذلك فيما بينك و بين اللَّه راهق، و فيما بينك و بين رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم إذا جاثاك لخصومته إياك في أمته، أما و اللَّه لا تنجو هنالك إلا بحجة تضمن لك النجاة، فاربع على نفسك أودع. فقال: كذبت و منت و ظن بك الحجاج ما لم نجده عندك،
[١] في ت: «فلم تزل تلك حاله عنده».
[٢] في الأصل: «حضرته معه». و ما أوردناه من ت.
[٣] في ت الأصل: «لم أدع له و اللَّه فيها». و ما أوردناه من ت.
[٤] في الأصل: «في تغترسه». و ما أوردناه من ت.