المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣١٢ - و في هذه السنة قتل مروان بن محمد
للمظالم، فدخل عليه رجل فقال: إن لي مظلمة، و إني أسألك أن تسمع مني مثلا أضربه قبل أن أذكر مظلمتي، قال: قل، قال: إني وجدت اللَّه تبارك و تعالى اسمه خلق الخلق على طبقات، فالصبي إذا خرج إلى الدنيا لا يعرف إلا أمه، و لا يطلب غيرها فإن فزع من شيء لجأ إليها، ثم يرتفع عن ذلك طبقة فيعرف أن أباه أعز من أمه، فإن أفزعه شيء لجأ إلى أبيه، ثم يبلغ فإن أفزعه شيء لجأ إلى سلطانه، فإن ظلمه ظالم انتصر به منه، فإذا ظلمه السلطان لجأ إلى ربه فاستنصره، و قد كنت في هذه الطبقات، و قد ظلمني ابن نهيك في ضيعة لي في ولايته، فإن نصرتني عليه و أخذت لي بمظلمتي و إلا استنصرت اللَّه عز و جل و لجأت إليه، فانظر لنفسك أيها الأمير أودع، فتضاءل أبو جعفر و قال: أعد عليّ الكلام، فأعاده، فقال: أما أول شيء فقد عزلت ابن نهيك من ناحيته، و أمر برد ضيعته.
و في هذه السنة [١]: شخص أبو جعفر المنصور إلى أبي مسلم بخراسان لاستطلاع رأيه في قتل أبي سلمة حفص بن سليمان. و ذلك أن أبا سلمة ستر حال أبي العباس حين قدم الكوفة.
و قد ذكرنا أن قوما يذكرون و يقولون: إنما أراد أن يجعل الأمر في آل أبي طالب، فصار عند القوم بهذا متهما، فتذاكروا بعد ظهور السفاح ما فعله أبو سلمة، فقال قائل منهم: فما يدريكم لعل ما صنع أبو سلمة كان عن رأي أبي مسلم، فقال أبو العباس:
لئن كان هذا عن رأي أبي مسلم إنا بعرض بلاء، إلا أن يدفعه اللَّه عنا. ثم تفرقوا، فأرسل أبو العباس إلى أبي جعفر فقال: ما ترى؟ فقال: الرأي رأيك، قال: فاخرج إلى أبي مسلم حتى تعلم ما رأيه، فليس يخفي عليك لو قد لقيته، فإن كان عن رأيه أخذنا [٢] لأنفسنا، و إن لم يكن عن رأيه طابت نفوسنا.
قال أبو جعفر: فخرجت على وجل، فلما انتهيت إلى الريّ إذا صاحب الريّ قد أتاه كتاب أبي مسلم: أنه بلغني أن عبد اللَّه بن محمد توجه إليك فإذا قدم فأشخصه ساعة يقدم عليك. فلما قدمت أتاني عامل الريّ، فأخبرني بكتاب أبي مسلم و أمرني بالرحيل، فازددت وجلا و خرجت و أنا خائف، فسرت فلما كنت بنيسابور إذا عاملها قد
[١] تاريخ الطبري ٧/ ٤٤٨.
[٢] في الأصل: «احبلنا». و ما أوردناه من الطبري.