المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٨ - باب ذكر خلافة عمر بن عبد العزيز
خليفة اللَّه ما ذا تأمرون بنا * * * لسنا إليكم و لا في دار منتظر
ما زلت بعدك في هم يؤرقني * * * قد طال في الحيّ [١] إصعادي و منحدري
لا ينفع الحاضر المجهود بادينا [٢] * * * و لا يعود لنا باد على حضر
إنّا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا * * * من الخليفة ما نرجو من المطر
نال الخلافة إذ كانت له قدرا * * * كما أتى ربّه موسى على قدر
هذي الأرامل قد قضّيت حاجتها * * * فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
الخير ما دمت حيا لا يفارقنا * * * بوركت يا عمر الخيران من عمر
فقال: يا جرير، ما أرى [لك] [٣] فيما ها هنا حقا، قال: بلى يا أمير المؤمنين أنا ابن سبيل و منقطع. فأعطاه من صلب ماله مائة درهم.
قال: و قد ذكر أنه قال له: ويحك يا جرير لقد ولينا هذا الأمر و ما نملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة أخذها عبد اللَّه، و مائة أخذتها أم عبيد اللَّه، يا غلام أعطه المائة الباقية.
قال: فأخذها و قال: و اللَّه لهي أحب من كل ما اكتسبته.
قال: ثم خرج، فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسركم، خرجت من عند أمير المؤمنين و هو يعطي الفقراء و يعطي الشعراء، و إني عنه لراض [٤]، و أنشأ يقول:
رأيت رقى الشيطان لا يستفزه * * * و قد كان شيطاني من الجن راقيا
و حكى ابن قتيبة عن حماد الراوية [٥]، قال: قال لي كثير: ألا أخبرك بما دعاني إلى ترك الشعر؟ قلت: خبرني، قال: شخصت أنا و الأحوص و نصيب إلى عمر بن عبد العزيز، و كل واحد منا يدل عليه بسابقة له أو خلة و نحن لا نشك في أنه سيشركنا في خلافته، فلما رفعت لنا أعلام خناصره لقينا مسلمة بن عبد الملك جائيا من عنده و هو يومئذ فتى العرب، فسلمنا عليه، فرد السلام، ثم قال: أما بلغكم أن إمامكم لا يقبل
[١] في ديوانه: «بعدك في دار تعرفني قد عيّ بالحي».
[٢] في ديوانه: «بادية».
[٣] ما بين المعقوفتين ساقط من الأصل، أوردناه من ت.
[٤] في ت: «و أنا عنه راضي».
[٥] في ت: «حماد الرواية»، و الخبر في الأغاني ٩/ ٢٩٥.