المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢٨٠ - ٧٠٠- الخليل بن أحمد، أبو عبد الرحمن الفراهيدي الأزدي النحويّ البصري
الخليل منفردا بعلم العربية متعبدا ذا زهادة في الدنيا.
كتب إليه سليمان بن علي الهاشمي يستدعيه لتعليم ولده بالنهار و منادمته بالليل، و بعث إليه ألف دينار ليستعين بها على حاله، فأخرج إلى الرسول زنبيلا فيه كسر يابسة، فأراه إياها [١] و قال له: إني ما دمت أجد هذه الكسر فإنّي عنه غني و عن غيره، ورد الألف دينار و قال للرسول: اقرأ على الأمير السلام و قل له: إني قد ألفت قوما، و ألفوني، أجالسهم طول نهاري و بعض ليلي، و قبيح لمثلي أن يقطع عادة تعودها [٢] إخوانه، و كتب إليه بهذه الأبيات:
أبلغ سليمان أني عنه في سعة * * * و في غنى غير أني لست ذا مال
و إن بين الغنى و الفقر منزلة * * * مقرونة بجديد ليس بالبالي
سخى بنفسي أني لا أرى أحدا * * * يموت هزلا و لا يبقى على حال
و الفقر في النفس لا في المال نعرفه * * * و مثل ذاك الغنى في النفس لا المال
و الرزق عن قدر لا العجز ينقصه * * * و لا يزيدك فيه حول محتال
كل امرئ بحبال الموت مرتهن * * * فاعمد لبالك إني عامد بالي
و قد روي لنا أن الّذي بعث إليه سليمان بن حبيب المهلبي، بعث إليه من أرض السند. و كان الخليل بالبصرة، و هذا أليق بالصحة، و قيل: من أرض الأهواز، ثم آل الأمر إلى أن صار الخليل وكيلا ليزيد بن حاتم المهلبي، و كان يجري عليه في كل شهر مائتي درهم.
قال الثوري: اجتمعنا بمكة، أدباء كل أفق، فتذاكرنا أمر العلماء، فجعل أهل كل بلد يرفعون علماءهم و يصفونهم حتى جرى ذكر الخليل فلم يبق أحد منهم إلا قال:
الخليل أذكى العرب، و هو مفتاح العلوم و مصرفها.
و قال نصر بن علي الجهضمي، عن أبيه: كان الخليل من أزهد الناس و أعلاهم نفسا، و أشدهم [٣] تعففا، و لقد كان الملوك يقصدونه و يتعرضون [له] [٤] لينال منهم فلم
[١] «فأراه إياها» ساقطة من ت.
[٢] في الأصل: «تعودوها إخوانه». و ما أوردناه من ت.
[٣] في الأصل: «أشددهم». و ما أوردناه من ت.
[٤] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.