المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٣٣٧ - ذكر أولاده
قال المنصور يوما و نحن جلوس عنده: أ تذكرون رؤيا كنت رأيتها و نحن بالشراة؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين ما نذكرها، فغضب من ذلك، و قال: كان ينبغي لكم أن تثبتوها في ألواح الذهب و تعلقوها في أعناق الصبيان، فقال عيسى بن علي: إن كنا قصرنا في ذلك فنستغفر اللَّه يا أمير المؤمنين، فليحدثنا أمير المؤمنين بها، قال: نعم، رأيت كأني في المسجد الحرام، و كأن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم في الكعبة و بابها مفتوح و الدرجة موضوعة، و ما أفقد أحدا من الهاشميين و لا من القرشيين، إذا مناد ينادي:
أين عبد اللَّه؟ فقام أخي أبو العباس فتخطى الناس حتى صار على الدرجة، فأخذ بيده فأدخل البيت، فما لبث أن خرج علينا و معه قناة عليها لواء قدر أربعة أذرع و أرجح، فرجع حتى خرج من باب المسجد، ثم نودي: أين عبد اللَّه؟ فقمت أنا و عبد اللَّه بن علي نستبق حتى صرنا إلى الدرجة، فجلس فأخذ بيدي فأصعدت فأدخلت الكعبة، و إذا رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و سلّم و معه أبو بكر و عمر و بلال. فعقد لي و أوصاني بأمته و عممني، و كان كورها ثلاثة و عشرين كورا، و قال: خذها إليك أبا الخلفاء إلى يوم القيامة.
أخبرنا ابن ناصر الحافظ، قال: أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، قال: أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي، قال: أخبرنا محمد بن عبد الرحيم المازني، قال:
حدّثنا أبو علي الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: حدّثنا أبو سهل [بن] [١] علي بن نوبخت قال: كان جدنا نوبخت على دين المجوسية، و كان في علم النجوم نهاية و كان محبوسا بسجن الأهواز، فقال [٢]:
رأيت أبا جعفر المنصور و قد أدخل السجن، فرأيت من هيبته و حالته و سيماه و حسن وجهه و ثيابه ما لم أره لأحد قط. قال: فصرت من موضعي إليه فقلت: يا سيدي ليس وجهك من وجوه هذه البلاد، فقال: أجل يا مجوسي قلت: فمن أي البلاد أنت؟ فقال: من المدينة، فقلت: أي مدينة؟ فقال: مدينة النبي صلى اللَّه عليه و سلّم، فقلت:
و حق الشمس و القمر إنك لمن ولد صاحب المدينة، قال: لا و لكنني من عرب المدينة. قال: فلم أزل أتقرب إليه و أخدمه حتى سألته عن كنيته، فقال: كنيتي أبو جعفر، قلت: أبشر فو حقّ المجوسية لتملكن جميع ما في هذه البلدة حتى تملك
[١] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل.
[٢] الخبر في تاريخ بغداد ١٠/ ٥٤.