المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ٢١٦ - و في هذه السنة غزا نصر بن سيار ما وراء النهر مرتين
ترابه قطع الكافور حتى لو أن بضعة ألقيت فيه لم تترب، و قد ضرب له سرادق من حبرة، و كان صنعه له يوسف بن عمر باليمن، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر مثلها مرافقها، و عليه درّاعة من خز أحمر مثلها عمامتها، و قد أخذ الناس مجالسهم، فأخرجت رأسي من ناحية السماط فنظر إليّ مثل المستنطق لي [١]، فقلت: أتم اللَّه عليك يا أمير المؤمنين نعمة، و سوغكها بشكره، و جعل ما قلّدك من هذه الأمور رشدا و عاقبة ما يؤول إليه حمدا أخلصه اللَّه لك بالتقى، و كثره لك بالنماء، لا كدر عليك منه ما صفا، و لا خالط مسروره الردى، فقد أصبحت للمسلمين ثقة و مستراحا، إليك يفزعون في مظالمهم، و إليك يلجئون في أمورهم، و ما أجد يا أمير المؤمنين جعلني اللَّه فداك [٢] شيئا هو أبلغ في قضاء حقك من أن أذكرك نعمة اللَّه عليك فأنبهك على شكرها، و ما أجد في ذلك شيئا هو أبلغ من حديث من يقدم قبلك من الملوك، فإن أذن لي أمير المؤمنين أخبرته. و كان متكئا فاستوى قاعدا و قال: هات يا ابن الأهتم، فقلت:
يا أمير المؤمنين، إن ملكا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامنا هذا إلى الخورنق و السدير في عام قد بكر و سميّه، و تتابع وليّه، و أخذت الأرض فيه زخرفها من اختلاف ألوان نبتها من نور ربيع مونق، فهو في أحسن منظر، و أطرف مختبر، و ألذ مستمطر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور، حتى لو أن بضعة ألقيت فيه لم تترب، و كان قد أعطي فتاء السن مع الكثرة و الغلبة و النماء فنظر فأبعد النظر فقال: لمن هذا الّذي أنا فيه، هل رأيتم مثل ما أنا فيه؟ هل أعطي أحد مثل ما أعطيت؟ و عنده رجل من بقايا حملة الحجة و المضي على أدب الحق و منهاجه، فقال [له] [٣]: أيها الملك، إنك قد سألت عن أمر أ فتأذن في الجواب؟ قال: نعم، قال: أ رأيتك هذا الّذي قد أعجبت به، أ هو شيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك ميراثا عن غيرك و هو زائل عنك، و صائر إلى غيرك كما صار إليك؟ قال: فكذلك هو، قال: أ فلا أراك إنما أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلا و تغيب عنه طويلا، و تكون غدا لحسابه مرتهنا، قال: ويحك فأين المهرب و أين المطلب؟ قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة ربك على ما ساءك و سرك و مضّك
[١] في الأصل: «كالمستنطق». و ما أوردناه من ت.
[٢] «يا أمير المؤمنين جعلني اللَّه فداك»: ساقط من ت.
[٣] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من ت.