المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٥٢ - ٦٠٦- همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، و اسم دارم بحر بن مالك، أبو فراس، و هو الفرزدق الشاعر
أحمل طنفسته [١]، و قالت الأخرى: أنا أحمل رحله، و قالت الأخرى: أنا حشيته و أنساعه، فتقاسمن رحله بينهن، و بقيت عنيزة، فقال لها [امرؤ القيس] [٢]: يا ابنة الكرام، لا بدّ أن تحمليني معك فإنّي لا أطيق المشي و ليس من عادتي، فحملته على غارب بعيرها، فكان يدخل رأسه في خدرها فيقبلها، فإذا امتنعت مال حدجها [٣]، فتقول: يا امرأ القيس عقرت بعيري فانزل، فذلك قوله:
تقول و قد مال الغبيط بنا معا * * * عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل
فلما فرغ الفرزدق من حديثه قالت إحداهن: اصرف وجهك عنا ساعة، و همست إلى صويحباتها [٤] بشيء لم أفهمه، فانغططن في الماء و خرجن و مع كل واحدة منهن ملء كفها طينا، قال: فجعلن يتعادين نحوي و يضربن بذلك الطين و الحمأة [٥] وجهي و ثيابي و ملأن عيني، فوقعت على وجهي مشغولا بعيني و ما فيها، فأخذن ثيابهن و ركبن، و ركبت تلك الماجنة بغلتي و تركتني ملقى بأقبح حال، فغسلت وجهي و ثيابي و انصرفت عند مجيء الظلام إلى منزلي ماشيا و قد وجهن بغلتي إلى بيتي و قلن للرسول: قل له تقول لك أخواتك: طلبت منا ما لم يمكنا، و قد وجهنا إليك بزوجتك فافعل بها سائر ليلتك، و هذا كسر درهم يكون لحمامك إذا أصبحت. فكان يقول: ما منيت بمثلهن.
قال علماء السير: لقي الفرزدق الحسن عند قبر، فقال له الحسن: ما أعددت لهذا اليوم؟ قال: أعددت له شهادة أن لا إله إلا اللَّه منذ ثمانين سنة.
فتوفي الفرزدق في سنة إحدى عشرة و مائة، و قد قارب المائة. و كانت علته الدبيلة، فرآه ابنه لبطة في النوم، فقال له: يا بني نفعتني الكلمة التي راجعت بها الحسن عند القبر.
و قال أبو عبيدة: مات الفرزدق سنة عشر و قد نيف على التسعين، كان منها خمس و سبعون يباري الشعراء فبذّهم، و ما ثبت له غير جرير.
***
[١] الطنفسة: الوسادة الصغيرة التي تجعل تحت الرجل.
[٢] ما بين المعقوفتين: ساقط من الأصل، أوردناه من الأغاني.
[٣] الحدج: مركب من مراكب النساء كالهودج.
[٤] في الأصل: «إلى صوحاها». كذا بدون نقط.
[٥] الحمأة: الطين الأسود.