المنتظم في تاريخ الأمم و الملوك - ابن الجوزي - الصفحة ١٥١ - ٦٠٦- همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم، و اسم دارم بحر بن مالك، أبو فراس، و هو الفرزدق الشاعر
دارة جلّجل، فانصرفت مستحييا منهن، فنادينني: باللَّه يا صاحب البغلة ارجع نسألك عن شيء، فانصرفت إليهن و هن في الماء إلى حلوقهن، فقلن: باللَّه حدّثنا بحديث دارة جلجل، فقلت: إن امرأ القيس كان يهوى بنت عم له يقال لها: عنيزة، فطلبها زمانا فلم يصل إليها حتى كان يوم الغدير و هو يوم دارة جلجل، و ذلك أن الحيّ احتملوا، فتقدم الرجال، و تخلف النساء و الخدم و الثقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد ما سار الرجال غلوة [١]، فكمن في غابة [٢] من الأرض حتى مرّ به النساء، فإذا فتيات و فيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا، فذهب بعض كلالنا فنزلن إليه، و نحين العبيد عنهن [٣]، ثم تجردن و اغتمسن في الغدير كهيئتكن الساعة، فأتاهن امرؤ القيس محتالا كنحو ما أتيتكن و هن غوافل، فأخذ ثيابهن فجمعها و رمى الفرزذق نفسه عن بغلته، فأخذ بعض أثوابهن فجمعها- و قال لهن كما أقول لكن: و اللَّه لا أعطي جارية منكن ثوبها و لو أقامت في الغدير يومها حتى تخرج إليّ مجردة [٤]. فقال الفرزدق: فقالت إحداهن: هذا امرؤ القيس، كان عاشقا لابنة عمه، أ فعاشق أنت لبعضنا؟ فقلت: لا و اللَّه و لكني اشتهيتكن، قال: فتأبين أمري [٥] حتى تعالى النهار و خشين أن يقصرن دون المنزل، فخرجت إحداهن، فدفع إليها ثوبها و وضعه ناحية، فأخذته و لبسته، و تتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة وحدها، فناشدته اللَّه أن يطرح لها ثوبها، فقال: دعينا منك، فأنا حرام إن أخذت ثوبك إلا بيدك. قال: فخرجت فنظر إليها مقبلة و مدبرة، فأخذت ثوبها، و أقبلن عليه يعذلنه و يلمنه و يقلن: عريتنا و حبستنا و جوعتنا، قال: فإن نحرت لكن ناقتي، أ تأكلن منها؟ قلن: نعم، فاخترط سيفه فعقرها و نحرها و كشطها و صاح بخدمهن، فجمعوا له حطبا، فأجج نارا عظيمة، و جعل يقطع لهن من سنامها و أطائبها و كبدها، فيلقيه على الجمر فيأكل و يأكلن معه، فلما أراد الرحيل قالت إحداهن: أنا
[١] الغلوة: مقدار رمية سهم، و تقدر بحوالي ثلاثمائة ذراع إلى أربعين.
[٢] في الأغاني: «غبابة من الأرض».
[٣] في الأصل: «عنه».
[٤] في الأصل: «فأتاهن امرؤ القيس فأخذ بعض أثوابهن فجمعهن و قال لهن كما قائلا كنحو ما أتيتكن و هن غوافل، فأخذ ثيابهن فجمعها و رمى الفرزدق نفسه عن بلغته فأخذ بعض أثوابهن فجمعها و قال لهن كما أقول، لكن و اللَّه لا أعطي جارية منكن ثوبها، فقال الفرزدق»:. و ما أوردناه من ت و الأغاني.
[٥] في الأصل: «فتأبين على الفرزدق». و ما أوردناه من الأغاني و ت.