متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٨٥ - ومن سورة البقرة
يرده منه ، فليس لهم فى الظاهر دلالة [١].
بل يدل الظاهر على ما نقوله ؛ لأنه تعالى لو لم يكن قد أمره بالسجود فى جملة الملائكة ، وأراده منه. لم يكن ليستثنيه من جملتهم ؛ لأنه إذا لم يكن منهم اسما فلا بد من مشاركته لهم فى المعنى ، ليصح الاستثناء ، وليس ذلك إلا أنه داخل فى جملتهم فى أنه قد كلّف السجود ، وقد بينا أن الأمر والتكليف يقتضيان الإرادة ، وكيف يصح أن لا يريده منه ، ويذمه على امتناعه ، ويصفه بأنه استكبر وكان من الكافرين؟!
وقد تعلق شيوخنا المتقدمون بهذه الآية فى أن العبد يفعل ويقدر على الشيء وتركه ؛ لأن العرب لا تصف الإنسان بأنه أبى الفعل إلا ويمكنه أن يفعله ويتركه ، وهذا ظاهر من حالهم [٢] ، والممنوع الذى لا يمكنه الانفكاك مما منع منه لا يصح أن يوصف عندهم بذلك ، فاذا صح ذلك ، فالواجب أن تدل هذه الآية على أن إبليس كان قادرا على أن يسجد. وفى ذلك دلالة على تقدم القدرة ، وعلى أنها قدرة على الشيء وضده.
[١] قال القاضى فى قولهم إنه تعالى يريد المعاصى ، وإنه لو لم يردها لوقعت. شاءها أم أباها ـ وهذا من صفات المغلوبين المقهورين ـ قال : إن ذلك بعيد (لأن الإباء فى أصل اللغة هو المنع ، فتقول : فلان أبى الضيم وأبى فلان أن يظلم ، أى : منع من ضيمه وظلمه ، وقد يستعمل فى الامتناع أيضا ، فيقال : سألته فأبى ، أى امتنع ، وعلى الأول يقول تعالى : ( وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ ) فإذا كان كذلك ، فكيف يجب فى الحي إذا لم يرد شيئا أن يمنع منه أو يمتنع؟! ) ثم قال : (ومهما أرادوا أنه أباها ، أى : كرهها ، فالمعنى [ غير ] صحيح ، لأنه لا يقال : أبى فلان كذا ، بمعنى كرهه ، ولو لا ذلك لصح أن يقال فى الضعيف إنه يأبى الظلم ، لأنه كالقوى فى كراهة أن يظلم )
انظر : المحيط بالتكليف ، للقاضي عبد الجبار ، نشر عمر السيد عزمى ، ص ٣٠٣ ـ ٣٠٤.
[٢] ف : أحوالهم.