متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٦١٧ - ومن سورة محمد صلى الله عليه
٧٠٠ ـ وأما قوله ( أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) [ ٢٣ ـ ٢٤ ] فقد بينا أنه لا يمكن للقوم حمله على ظاهره [١] ، لأن من لعنه الله لا يجب أن يختص بالعمى والصمم ، بل أكثرهم بخلاف هذه الصفة ، ولو اختصوا بذلك لم يمنعهم من التدبر والقيام بأداء ما كلفوا. فالمراد بذلك ما قدمنا من تشبيه حالهم بحال الأعمى الأصم ، من حيث لم ينتفعوا بما سمعوا ولم يتدبروا ، فشبه حالهم بما ذكرناه ، كما يقال لمن لا يفهم بعد أن تبين له ، وتكرر القول مرة بعد أخرى : إنه حمار وأعمى ، قد طبع على قلبه ، على طريق التشبيه والتمثيل :
٧٠١ ـ وقوله : ( أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ) يدل على وجوب النظر. ويدل أيضا على بطلان قول المجبرة ، لأن تدبرهم لو كان من خلق الله تعالى فيهم لما جاز أن يبكتوا بهذا القول ، وأن يبعثوا على التدبر له ، لأنهم إن خلق الله فيهم التدبر ، فلا بد من أن يكونوا متدبرين على كل حال ، وإن لم يخلق ذلك فيهم فكمثل ، فكيف يصح على هذا القول البعث على التدبر ، والتوبيخ على تركه؟
٧٠٢ ـ فأما تعلقهم بقوله : ( أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ ) [٢٩] فى أن ما يحصل فى قلوبهم من المرض والكفر من فعله تعالى ، وهو الذى يدخلهم فيه ويخرجهم عنه ، فبعيد ، وذلك أن ظاهره يقتضى إثبات مرض فى قلوبهم فقط ، من غير بيان ذكر فاعله ، وإن كان لو أضيف إليه تعالى لكان ظاهره إنما يقتضى أن يخلق فى قلوبهم المرض والغم ، وهذا مما لا نأباه ، على ما ذكرناه فى سورة البقرة [٢].
وإنما أراد تعالى بهذه الآية : المنافقين الذين استسروا عداوة الرسول ، عليه
[١] انظر الفقرة : ١٨ والفقرة ٢٧٨. [٢] انظر الفقرة : ١٩.