متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٤٨٩ - ومن سورة طه
بالتعارف قد صار كالحقيقة ، لأن المنشد منا لقصيدة امرئ القيس [١] يقال : إن ما أنشده هو شعر امرئ القيس ، ولا يدعى فى ذلك الخروج عن التعارف والحقيقة ، فيصح من هذا الوجه ما تعلقنا به.
٤٥٩ ـ وقوله تعالى من بعد : ( فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ) [٢] يدل أيضا على حدث النداء ، من حيث علقه بإتيانه المكان ، والقديم لا يصح ذلك فيه ، لأن التوقيت إنما يصح فى الحوادث. من حيث تحدث فى وقت دون وقت.
ومن وجه آخر : وهو أنه لو كان قديما لكان لم يزل قائلا : ( يا مُوسى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ) وقد علمنا أن ذلك يقتضى النقص من جهات كثيرة : أحدها أن المتكلم إنما يكون حكيما متى استفاد بكلامه أو أفاد غيره ، وذلك يستحيل فيما لم يزل ، فإثباته على هذا الوجه نقص ، يتعالى الله عنه ، كما أن أحدنا لو قال وهو منفرد : السماء فوقى والأرض تحتى ، ولم يزل يكرره ، فإن ذلك وإن كان صدقا ، فإنه من أقوى الدلالة على السّفه والنقص.
ومنها : أنه لا يجوز أن يكون مناديا على جهة المخاطبة للمعدوم ، لأن ذلك يتعالى الله عنه.
[١] هو امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندى ، شاعر يمانى الأصل ، كان أبوه ملك أسد وغطفان ، وأمه أخت المهلهل الشاعر. وقد عده ابن سلام على رأس الطبقة الأولى من فحول شعراء الجاهلية. انظر : طبقات فحول الشعراء ، لمحمد بن سلام الجمحي بشرح الأستاذ محمود محمد شاكر ، ص : ٤٣. معجم المؤلفين : ٢ / ٣٢٠. [٢] وبعده : [ ... فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً ] الآيتان : ١١ ـ ١٢.