متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٢٠ - ومن سورة الانفال
وإن كان صلّى الله عليه وسلم ابتدأ الرمى.
ثم يقال للقوم : إن كان تعالى قتل ورمى فيجب أن لا يكون للمؤمنين فيه صنع ولا يستحقون المدح ، وكان لا يصح التمدح بقوله تعالى : ( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ ) [١] لأن ذلك القتل والقتال من الله تعالى لا منهم. وهذا ظاهر الفساد.
وقوله تعالى : ( وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً ) [٢] يدل على أن القتل والرمى فعلهم ؛ وأنه تعالى أضافهما إلى نفسه من الوجوه التى بيناها ، فكأنه بين أنه لفضل ألطافه يبتلى المؤمنين وينعم عليهم ويحسن ؛ لأن كل ذلك من نعمه وأفضاله ، ولو كان الأمر كما قالوا لم يصح أن يوصفوا بأن ما فعلوه من البلاء الحسن ، وكل ذلك بين.
٢٧٨ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه قد منع الكفار من الإيمان فقال : ( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ ، وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ ) [ ٢٢ ـ ٢٣ ].
والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أن الكلام لو كان على ظاهره لوجب أن يكون شر الدواب المجانين والبهائم ؛ لأنهم يختصون بهذه الصفة ، خصوصا إذا كانوا صما بكما ، وهذا مما لا يقول به أحد!
وبينا من قبل أنه تعالى يصف الكفار بذلك تشبيها بمن هذا حاله ، من
[١] سورة الحديد ١٠. [٢] من تتمة ـ الآية ١٧٠.