متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٣٢ - مقدمه
ولهذه الجملة قلنا : إن المجبّرة لما أضافت القبائح إلى الله لم يمكنها معرفة صحة القرآن ولا أنه دلالة ، لأنه يلزمها [١] أن تجوّز أن يكون كذبا وأمرا بباطل. وكذلك قلنا : إن من يقول من المرجئة بالوقف على وجه مخصوص ، لا يمكنه أن يعرف بالقرآن شيئا ، لأنه يلزمه تجويز التعمية فى سائر كلامه عز وجل ، وأن يسوى بين الخاص والعام فيه [٢].
فحصل من هذه الجملة أنه يجب أن يعرف المكلف أنه تعالى لا يفعل القبيح ، وأن الخبر يقبح إذا كان كذبا ، فإذا لا يجوز عليه الكذب والأمر بالقبيح ، ويعلم أنه لا يجوز أن يعمى مراده فإذا يجب أن يكون مراده بالخطاب ما يقتضيه ظاهره أو القرينة الدالة على المراد به من عقل أو سمع.
فبهذا الوجه يمكن أن يعلم أن القرآن حجة ، لكن المتشابه يحتاج إلى زيادة فكر من حيث كان المراد به غير ما يقتضيه ظاهره ، فلا [٣] بد أن يكون السامع يعرف الوجه الذى يجوز أن يحمل عليه فى اللغة ، ويتأمل الدلالة التى لها يجب أن يحمل على ما يحمل عليه. ولا يحتاج المحكم عند ما يطرق السمع إلا إلى ما قدمناه فقط. فبهذا يفترقان وإن كان لا بد فى الاحتجاج بهما إلى الجملة التى قدمناها.
[١] فى د : يلزمنا. [٢] لعل المؤلف رحمهالله يعنى إنكار المرجئة أن يكون للعموم لفظة موضوعة له ، فلم يجوزوا فى عمومات الوعيد أن تحمل على الشمول والاستغراق ، ولكن لا ينبنى على ذلك التسوية بين العام والخاص ، وعدم معرفة شيء بالقرآن ؛ لجواز التعمية فى سائره ؛ لأن من يذهب إلى (التوقف) فيما وضعت له ألفاظ العموم ـ وهو مذهب عامة الأشاعرة ـ يقول فى هذه الألفاظ : إنها من قبيل المجمل ، وحكمه التوقف حتى يأتى البيان ؛ لأن من المحتمل أن يكون المراد بعض ما تناوله ذلك اللفظ. انظر شرح الأصول الخمسة : ٦٠٤ ـ ٦٠٦ ، أصول السرخسى ، طبع دار الكتاب العربى بمصر ١٣٧٢ ، ج ١ ص ١٣٢. تفسير النصوص فى الفقه الاسلامى للشيخ محمد أديب صالح ، الطبعة الأولى ، دمشق ١٣٨٤ ، ص : ٥٨٥. [٣] د : ولا.