متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٤٣ - ومن سورة الأنعام
ومعلوم من حالهم وقد عرفوا الله ضرورة فى دار الآخرة ، أن تكليفهم بعد ذلك لا يصح؟
قيل له : ليس فى الظاهر أنهم لو ردوا لعادوا « لمثل ما نهوا عنه [١] فى حالهم تلك ، فكما يجوز أن [٢] يقدر ذلك بردهم ، فكذلك يقدر بما ثبت من جهة العقل من ردهم على الأحوال التى يصح معها أن يكونوا مكلفين.
وهذه الآية تبين أنه تعالى لرأفته بعباده لا يقطعهم عن الطاعة ، وأنه لو علم أنهم يؤمنون ويستحقون الثواب فى حال من الأحوال لكان لا يخترمهم دونه ، وقد كلفهم على جهة التعريض للثواب.
ويجوز فى الآية أن يريد بها أنهم كاذبون فيما تمنوه ، من حيث كان المعلوم أنه لا يقع على ذلك الحد ، ويكون مجازا فيه [٣] ، لأن حقيقته إنما تقع فى الأخبار.
٢٠٨ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه لم يشأ ممن كلفه الاجتماع على الهدى ، فقال : ( وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى ) [٤] لأنه لو كان شاء ذلك لم يصح أن يقول هذا القول.
والجواب عن ذلك : أنا قد بينا أنه تعالى قد شاء منهم ذلك على جهة
[١] ساقط من ف. [٢] ساقطة من د. [٣] بمعنى أن يحمل الكذب على غير الكذب الحقيقى فيكون المراد والمعنى ـ كما يقول الشريف ـ أنهم تمنوا ما لا سبيل إليه ، فكذب أملهم وتمنيهم ، قال المرتضى : (وهذا مشهور فى الكلام ؛ لأنهم يقولون لمن تمنى ما لا يدرك : كذب أملك ، وأكدى رجاؤك ).
الأمالى : ٢ / ٢٧٣.
[٤] من الآية : ٣٥.