متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٣٧ - ومن سورة الأنعام
حال من يشاهده ، وعلى هذا الوجه يجرى القول فى أوصاف الله تعالى بأنه بكل مكان ، واستجاز المسلمون إطلاقه ، لأنهم عنوا به فى الصنع والتدبير ، أو فى الإحاطة به علما.
ويبين ما قلناه أن قوله تعالى : ( يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ ) لا يليق إلا بما ذكرناه ، لأنه إذا كان فى كل مكان لم يجب أن يكون عالما بسرنا وجهرنا ، لأن الحاضر معنا « لا يجب أن يكون مطلعا [١] على أسرارنا ، فكيف من هو فى غير المكان الذى نحن فيه؟
ومتى ذكر تعالى المكان ثم عقبه بذكر العلم وغيره ، فيجب صرف الكلام إلى ذلك الوجه ، ولهذا قلنا إن قوله تعالى : ( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ ) [٢] : المراد به الاقتدار منه على المكانين ، والتنبيه بذكرهما على أنه مقتدر على كل شيء ، وكذلك لما عقب الكلام بذكر العلم دل على أن المراد « بما تقدم ذكره أنه محيط [٣] بما فيهما علما.
٢٠٤ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده فيها ما يدل على أن المكان يجوز عليه ، فقال : ( وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ) [١٨] و « فوق » إنما تستعمل فى اللغة بمعنى المكان إذا علا على مكان غيره.
والجواب عن ذلك : أنه تعالى قد نبه فى الكلام على ما أراد ، بقوله ( وَهُوَ
[١] د : لا يجوز أن يطلع. [٢] من الآية : ٨٤ فى سورة الزخرف. وتتمتها : [ .. وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ ]. [٣] ف : ما تقدم من ذكره أنه يحيط.