متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٢٢٩ - ومن سورة المائدة
فلا تعلق للقوم بظاهره.
وبعد ، فإن قوله ( وَلَوْ شاءَ ) يدل على أنه لم يشأ ، ولا يدل على أنه لم يشأ من جميع الوجوه ، فمتى كان ذلك الباب مما يراد على وجهين لا يجتمعان ، فبنفى أحدهما لا يجب نفى الآخر ، فلا يصح ادعاء العموم فيه.
وبعد ، فإنه لم يقل : لو شاء لجعلهم أمة واحدة فى أمر مخصوص ، فظاهر ذلك يقتضى أن يجعلهم جماعة واحدة متساوية فى باب ما ، فمن أين بظاهره أن المراد ما قالوه؟.
والمراد بالآية : أنه لو شاء لألجأهم إلى أن يصيروا أمة واحدة مجتمعين [١] على الهدى والإيمان ، ولذلك أضاف ذلك إلى جعله ، لكنه لم يرد ذلك لما فيه من زوال التكليف ، وأراد أن يؤمنوا طوعا على وجه يستحقون به الثواب العظيم ، ولهذا قال : ( وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ ) منبها بذلك على ما ذكرناه [٢].
١٩٦ ـ مسألة : قالوا : ثم ذكر تعالى بعده ما يدل على أنه جعل الكافر كافرا فقال : ( هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) [٦٠] فبين أنه تعالى خلق عبد الطاغوت وجعله كذلك ، وهو الذى نقول به.
والجواب عن ذلك : أن ظاهره يقتضى أنه جعل وخلق من يعبد الطاغوت ، كما أنه جعل منهم القردة والخنازير ، ولذلك قال تعالى : ( أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً ) [٣]
[١] ساقطة من ف. [٢] انظر الفقرة : ٧٦. [٣] تتمة الآية السابقة ٦٠ قوله تعالى : [ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ].