متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ١٠٢ - ومن سورة البقرة
وينقسم السحر : ففيه ما هو كفر ، وهو ما يدّعون من أنه يمكنهم إحياء الموتى بالحيل ، وطى البلاد ، وأن يزيلوا عن المصروع ما نزل به فى الوقت من غير تداو ، وأن يقرعوا الصحيح السليم ، وإنما صار ذلك كفرا ؛ لأن معه لا يمكن التمسك بالنبوات ، لأنه متى جوّز فى ذلك ـ وإن كان فيه نقض عادة وكان من الباب الذى يتعذر على الناس فعل مثله ـ أن يكون من فعل السحرة ، جوّز فى الأنبياء ، صلوات الله عليهم ، أن يكونوا محتالين وإن كانوا فعلوا المعجزات ، ولا يمكن مع ذلك العلم بالنبوات ، ولا بالفرق بين ما يختص تعالى بالقدرة عليه وبين مقدور العباد. وهذا كفر ، فلذلك قال كثير من الفقهاء فى الساحر : إنه يقتل إذا اعترف بالسحر فى الحقيقة ، على هذا الوجه. فأما السحر الذى يجرى مجرى الشعبذة والحيل المفعول بخفة اليد إلى ما شاكله ، فذلك ليس بكفر وإن كان معصية ، وجميعه منفى عن الله تعالى أن يكون خالقا وفاعلا [ له ] وإن كان لا ينفى عنه الدلالة عليه والتعريف لكى يجتنب ويتقى.
وذكر أبو مسلم [١] رحمهالله فى كتابه أن المراد بقوله : ( وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) ، أنهم اتبعوا ما كذبوا فيه على سليمان وعلى ما أنزل على الملكين فعطف بما [٢] أنزل على الملكين على ملك سليمان ، من حيث اجتمعا « فى أن [٣] الشياطين كذبوا عليهما جميعا ، وإن كان أحدهما قد انقطع عن الآخر بكلام تخللهما ، وذلك غير ممتنع فى اللغة [٤] ، وقوله عز وجل :
[١] هو أبو مسلم محمد بن بحر الأصفهانى ، كان من كبار الكتاب ، عالما بالتفسير وغيره من صنوف العلم ، وله شعر ، وكان على مذهب المعتزلة ، وصنف كتابه : (جامع التأويل ) فى تفسير القرآن فى أربعة عشر مجلدا على طريقتهم ، ولى أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العباسى وتوفى عام ٣٧٠. انظر : لسان الميزان لابن حجر ، حيدرآباد ١٣٢٩ / ٥ / ٨٩. الأعلام : ٦ / ٢٧٣. [٢] د : ما. [٣] د : وأن. [٤] انظر فى الشواهد على ذلك : أمالى المرتضى : ١ / ٤١٩ ، وقد تولى المؤلف هنا شرح هذا الوجه الذى ذكره القاضى ، نقلا عن تفسير أبى مسلم.