متشابه القرآن - القاضي عبد الجبار - الصفحة ٩٢ - ومن سورة البقرة
٣٤ ـ دلالة : فأما قوله عز وجل : ( ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) [٥٢]. وقد ثبت أنه تعالى ممن لا يجوز عليه الشك ، فيجب أن يكون المراد بذلك : لكى تشكروا ، على طريقة اللغة ، وذلك يدل على أنه لم يرد من جميعهم إلا الشكر ، وذلك يبطل القول بأنه أراد منهم ما يختارون ، فأراد من الكافر الكفر ومن الشاكر الشكر ، ولذلك لم يذكر تعالى فى شيء من كتابه : لعلكم تكفرون وتعصون ، وإنما ذكر ذلك فى الطاعات.
٣٥ ـ مسألة : قالوا : وقد قال بعد ذلك ما يدل على جواز الرؤية عليه تعالى [١] ، فقال : ( وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً ) [٥٥] فترك موسى عليهالسلام إنكار ذلك ، وهذا يدل على أنه مجوّز ؛ وإن كان الصلاح أن لا تروه إلا فى الآخرة.
[١] مشكلة الرؤية من أهم الموضوعات التى اختلفت فيها آراء علماء الكلام. والمعتزلة ـ على أصلهم فى التنزيه المطلق ونفى الجسمية والجهة ـ أنكروا رؤية الله تعالى فى الدنيا والآخرة. والمشبّهة والكرّاميّة لما قالوا بالجسمية ذهبوا إلى جواز رؤيته تعالى فى كل وقت ، وهم يسلمون بأنه تعالى لو لم يكن جسما لما صح أن يرى. أما الأشعرية فقالوا بامكان رؤية الله فى الآخرة دون الحياة الدنيا. وإن كانوا لا يكيّفون هذه الرؤية ، ولهذا فان القاضى يحصر الخلاف في هذا الموضوع مع الأشعرية وحدهم ، ويرى أيضا أن هذه المسألة مما يصح الاستدلال عليها بالسمع والعقل جميعا ؛ لأن صحة السمع لا تقف عليها ، ويقول في ذلك :
(كل مسألة لا تقف عليها صحة السمع فالاستدلال عليها بالسمع ممكن ).
انظر : شرح الأصول الخمسة : ٢٣٢ ـ ٢٧٧. ضحي الاسلام : ٣ / ٢٦ ـ ٢٨ وانظر أدلة الأشعرية على (جواز رؤية البارى عقلا ، ووجوبها سمعا ) مع نقاش أدلة المعتزلة : نهاية الإقدام للشهرستانى : القاعدة السادسة عشرة ص ٣٥٦ ـ ٣٦٩. وانظر كذلك الخلاصة الجامعة ، التى كتبها الأستاذ الدكتور محمود قاسم تحت عنوان : (الرؤية ) في مقدمته النقدية لدارس علم الكلام ، على مناهج الأدلة لابن رشد : ٨١ ـ ٨٨. وارجع ـ إن شئت ـ إلى ما ألقى به جولد تسهر من كلام حول هذا الموضوع ، وما صوره به وتسقط له من الأخبار : مذاهب التفسير الاسلامى : ١٢٤ ـ ١٢٩.